حارة رحبة العيد

الكاتب الصحفى عبدالناصر محمد يكتب :
تخاريف صيام .. حكايات حارتنا ( الحلقة الأخيرة )
” رحبة العيد ” .. حارة صلاة عيد الفطر !!
المكان : قاهرة المعز
الزمان : يونيو سنة ٩٧٣ م / غرة شهر شوال سنة ٣٦٢ هجرية
الحدث : أول صلاة عيد فطر فى عهد الدولة الفاطمية
المدينة الجديدة فى أبهى صورها الزينات تغطى الشوارع والحارات والقصور والبيوت والبوابات والأسوار .. السيدات يرتدين ثيابهن الجديدة يمسكن بالطبول يغنين .. تملأ قلوبهن الفرحة والسرور بقدوم عيد الفطر المبارك .. لا يكفّن عن الزغاريد التى تنطلق من كل بقعة فى قاهرة المعز .. الرجال يتسابقون للوصول إلى ” الرحبة ” وهى الساحة المخصصة لصلاة العيد ، الكل فى إنتظار موكب الخليفة المعز لدين الله الفاطمى الذى سوف يخرج بعد قليل من القصر الشرقى الكبير وتحديدا من ” باب العيد ” لتأدية صلاة عيد الفطر المبارك الأول له فى مصر المحروسة ، يتجه الموكب نحو الرحبة هو الآخر ، الطبول تدق إيذاناً بقرب خروج موكب الخليفة ، أيها السيدات والسادة أنظروا تأملوا المشهد ، ها هو الخليفة المعز لدين الله يتصدر موكب مهيب يرتدى ثياباً جديدة بيضاء فاخرة منسوجة بالذهب تُظهر علامات القوة والسخاء والفخامة ، يمتطى جواده ” المُطهم ” وهو الجواد التام فى الحُسن والجمال والذى يجمع بين القوة والوسامة وتناسق الأعضاء ، بجانبه زوجته السيدة الشريفة ” تغريد ” هى الأخرى تمتطى جوادها ترتدى فستاناً أبيضاً مرصعاً بالذهب والجواهر على رأسها تاج ذهبى ، خلفهما موكب عظيم البهاء يخترق شوارع وحارات القاهرة ثم يتجه إلى الرحبة والتى يُطلق عليها الآن إسم حارة ” رحبة العيد ” المتفرعة من شارع المعز لدين الله.
حارة عريقة بهية رائحة التاريخ العظيم تفوح منها .. عبير طيب ينتشر بين ثنايا نسماتها العليلة الخلابة ، هى قلب ينبض بالعظمة والشموخ .. ذكريات أكثر من ١١ قرناً من الزمان تختبىء وراء جدرانها وأحجارها الشاهدة على تاريخ أجيال وأجيال من البشر الذين من حسن حظهم كانوا ومازالوا سكان هذه الحارة التاريخية العتيقة.
كانت الحارة تشهد مرور صوانى كعك العيد العملاقة يحملها العمال فى طابور طويل يبدأ من القصر تتجه إلى الرحبة لتوزيع الكعك على المصلين وتكون المفاجأة بأن الكعك محشو بقطع ذهبية ليُدخل الخليفة الفرحة فى قلوب شعبه ، وتروى لنا الروايات أن قصر الخليفة كان يطل على الحارة وكان يضم سريراً من الذهب الخالص مرصعاً بالجواهر ، وكان الخليفة المعز يجلس عليه فى يوم العيد لتلقى التهانى من أعيان القاهرة مما جعل المنطقة تُعرف فى الذاكرة الشعبية بمنطقة ” العز والذهب “.
تشتهر الحارة الآن بكونها مركزا لتصنيع وتجارة المشغولات المعدنية وخاصة تبييض النحاس وصناعة الأدوات المنزلية ، فهى إمتداد لروح حارة ” المبيضة ” التاريخية العريقة ،
تهيمن على الحارة الآن البيوت المتلاصقة التى يتداخل فيها القديم ” بقايا المشربيات ” مع الفنون المعمارية الحديثة ، وتعد مقصداً لهواة التصوير الفوتوغرافي والباحثين عن “روح الحارة” ، وتقع الحارة ضمن المسارات السياحية التي تربط بين شارع المعز ومنطقة الدرب الأصفر حيث بيت السحيمى ، مما يجعلها محطة استراحة للسياح الباحثين عن المقاهى الشعبية ذات الطابع المصرى الأصيل.
وإنتهى شهر رمضان المعظم بعد أن ترك أنواراً فى القلوب ودروساً فى الصبر والتقوى ، نودعه بدموع الرجاء أن يتقبل الله منا ، ونستقبل عيد الفطر المبارك بقلوب طاهرة عاهدت المولى عز وجل على الثبات ودوام الطاعة والإيمان ، ولكن لن تنتهى حكايات حارتنا وستظل تبوح بأسرارها وأحداثها المثيرة ، وكل عام وأنتم بخير.



