رمضان في مصر حاجة تانية

رمضان في مصر حاجة تانية
بقلم/ نجلاء علي حسن
تعتبر مقولة “رمضان في مصر حاجة تانية” من أصدق المقولات في العالم.
رمضان في مصر حاجة تانية وبصفتي مصرية مغتربة، أنقل لكم بصدق دقة مشاعر مواطني الدول الخليجية واحساسهم ان فقط في مصر تكمن روح رمضان.
تعالوا معي في رحلة روحانية لنشاهد مظاهر الاحتفال في مصر المحروسة ولنبدأ من عاصمة العالم العربي “القاهرة” التي اسميها جوهرة المدن.
ورمضان في القاهرة: سيمفونية من الروحانيات والبهجة في “مدينة الألف مئذنة”
لا يشبه رمضان في أي مكان في العالم مذاقه في القاهرة؛ تلك المدينة التي تلبس ثوباً مرصعاً بالأنوار والتقاليد العريقة بمجرد ثبوت رؤية الهلال. في القاهرة، يتحول رمضان من مجرد فريضة دينية إلى حالة شعورية متكاملة، تذوب فيها الفوارق بين الطبقات، وتجتمع القلوب على مائدة واحدة وفي صلاة واحدة، تحت سماء تزينها مآذن المساجد التاريخية.
استقبال الشهر: “وحوي يا وحوي”
تبدأ طقوس رمضان في القاهرة قبل قدومه بأيام. تمتلئ الأسواق، وخاصة “الخيامية” و”تحت الربع” في الدرب الأحمر، بآلاف الفوانيس الملونة. الفانوس المصري هو البطل الشعبي الأول، وتجده يتدلى من الشرفات، ويزين مداخل المحلات، ويحمله الأطفال في الأزقة وهم يغنون الأغنية التراثية الشهيرة “وحوي يا وحوي”. كما تزدحم شوارع القاهرة بـ “الزينة”، وهي عبارة عن حبال من الأوراق الملونة والمثلثات التي يشارك الجيران في تعليقها بين البنايات، لافرق بين جار مسلم وجار مسيحي ، الكل يشارك في تعليق الزينة في مشهد يعكس روح التكافل والترابط الاجتماعي.
ولكن السحر كله في القاهرة التاريخية وبالتحديد في شارع المعز والحسين
فإذا أردت أن تعيش نبض رمضان الحقيقي، فلا بد من التوجه إلى القاهرة التاريخية. في منطقة الحسين وشارع المعز لدين الله الفاطمي، يختلط عبق التاريخ بروحانية الشهر.
هنا، تضاء المآذن باللون الأخضر والأنوار الساطعة، وتمتلئ المقاهي الشعبية مثل “مقهى الفيشاوي” بالزوار الذين يستمتعون بالشاي بالنعناع وأصوات التواشيح الدينية والابتهالات التي تصدح من كل جانب.
الصلاة في مسجد الحسين أو الجامع الأزهر لها طابع خاص؛ حيث تمتلئ الساحات بآلاف المصلين في صلاة التراويح، وتفوح رائحة البخور والمسك، مما يمنح النفس طمأنينة لا توصف.
أما عن مائدة الإفطار، فهي كرم ممتد يعبر عن المطبخ المصري العريق في رمضان وهو مهرجان للألوان والمذاقات. لا تكاد تخلو مائدة مصرية من “الشوربة” و”المحاشي” و”البط” أو “الرقاق باللحمة المفرومة”. أما المشروبات، فلها طقوسها الخاصة، حيث يتصدر “العرقسوس” و”التمر هندي” و”قمر الدين” المشهد لترطيب الأجساد بعد يوم طويل من الصيام.
لكن الميزة الأبرز في القاهرة هي “موائد الرحمن”. هذه الموائد التي يفترشها أهل الخير في الشوارع لتقديم وجبات الإفطار مجاناً لعابري السبيل والفقراء. إنها لوحة إنسانية تجسد كرم المصريين، حيث تجد الغني والفقير يجلسون جنباً إلى جنب في مودة لافتة.
لايزال في الوجدان دقات طبلة المسحراتي، صوت الليل الشجي
رغم التطور التكنولوجي، لا يزال “المسحراتي” يحافظ على مكانته في أحياء القاهرة الشعبية مثل السيدة زينب وشبرا والجمالية. يطوف المسحراتي بطبله الصغير وصوته الجهوري قبل الفجر بساعتين، منادياً: “إصحى يا نايم.. وحد الدايم”، ليوقظ الناس لتناول وجبة السحور. وغالباً ما ينادي الأطفال بأسمائهم، مما يضفي بهجة خاصة على الليالي الهادئة.
أجواء السحور و”خيم رمضان”
في السنوات الأخيرة، انتشرت في أحياء القاهرة الحديثة مثل التجمع الخامس والشيخ زايد “الخيم الرمضانية” الفاخرة التي تقدم وجبات السحور مع فقرات فنية من التخت الشرقي والتنورة. ومع ذلك، يظل سحور الأحياء الشعبية هو الأكثر شعبية، حيث يجتمع الناس حول عربات “الفول” المزين بالزيت الحار والطحينة، في تجمعات شبابية تمتد حتى أذان الفجر.
الثقافة والفن في ليالي رمضان
لا ينام القاهريون في رمضان؛ فالحياة تبدأ فعلياً بعد صلاة التراويح. تفتح الأوبرا المصرية ومراكز الإبداع الفني في “بيت السحيمي” و”وكالة الغوري” أبوابها للعروض الصوفية ورقصة التنورة التراثية.
حقًا إن القاهرة في رمضان هي مزيج مدهش بين العبادة والاحتفال، بين الصمت الخاشع في المساجد وصخب الحياة المبهج في المقاهي والشوارع.
وفي الختام، رمضان في القاهرة.. تجربة لا تُنسى لانه ليس مجرد شهر للصيام، بل هو رحلة عبر الزمن تعيد إحياء التقاليد الفاطمية والمملوكية الممزوجة بروح العصر الحديث.
رمضان في مصر هو صوت الشيخ رفعت والشيخ الحصري في المذياع قبل الإفطار، هو ازدحام الشوارع قبل المغرب ودوران المحركات للوصول للمنازل، وهو الهدوء العجيب الذي يحل على المدينة لحظة انطلاق مدفع الإفطار. من يزور القاهرة في رمضان، يدرك تماماً معنى المقولة الشهيرة: “رمضان في مصر حاجة تانية”.





