حكايات وخواطر
شيماء النحاس تكتب: طاقة السلام النفسي

بقلم:
الكاتبة والإعلامية شيماء النحاس
سيكولوجية الجذب والسلام الداخلي: كيف تصنع طاقتك الإيجابية وتبتعد عن دوامة السلبية؟
في عالم يموج بالتغيرات المتسارعة والضغوطات اليومية، لم تعد “الطاقة الإيجابية” مجرد رفاهية ذهنية أو عبارات تحفيزية نرددها للترويح عن أنفسنا، بل أصبحت ضرورة ملحة وشرطاً أساسياً للحفاظ على الاتزان النفسي والعقلي. إن الحديث عن الطاقة الإيجابية لا يعني التغاضي عن تحديات الواقع أو ممارسة “التفاؤل السام” الذي ينكر المشاعر الإنسانية الطبيعية، بل يعني القدرة على بناء مركز ثقل داخلي يساعد الإنسان على استعادة تعافيه النفسي والشعوري مهما بلغت حدة الضغوط من حوله.
أولاً: ما هي الطاقة الإيجابية وكيف نجذبها؟
الطاقة الإيجابية هي في جوهرها حالة من الوعي والتوازن الداخلي. هي تلك القوة الخفية التي تنبع من طريقة رؤيتنا للأحداث وطريقة تفسيرنا للمواقف، لا من الأحداث ذاتها. ولكي نجذب هذه الطاقة إلى حياتنا ونعلّي من مستواها، نحن بحاجة إلى ممارسة أدوات واعية ومستمرة:
إدارة الحديث الذاتي (Monologue): أول خطوات جذب الطاقة الإيجابية تبدأ من الصوت الداخلي الذي نحادث به أنفسنا. عندما يتحول الحديث الذاتي من جلد الذات والتأنيب المستمر إلى التفهم والامتنان والتطوير، تتغير الكيمياء النفسية للإنسان ويصبح أكثر قدرة على رؤية الفرص بدلاً من الغرق في العقبات.
الامتنان الواعي: الامتنان ليس مجرد كلمة تُقال، بل هو تمرين يومي لتوجيه التركيز نحو النعم والمساحات المضيئة في حياتنا. التركيز على ما نملك بدلاً من الحرمان يغير ترتيب أفكارنا ويمنحنا شعوراً بالرضا والاستحقاق.
حماية المساحة الشخصية: الوعي بأن طاقتنا ووقتنا هما أثمن ما نملك، وأن الشغف والإنتاجية لا يجتمعان مع الفوضى النفسية والبيئات المشحونة بالتوتر.
ثانياً: “مصاصو الطاقة”.. سيكولوجية الشخصية السلبية
في مقابل السعي نحو التوازن، نجد أنفسنا في كثير من الأحيان محاطين بشخصيات تستنزف مخزوننا الشعوري والنفسي، وهم من يُطلق عليهم في علم النفس “مصاصو الطاقة” أو “المستنزفون عاطفياً”. هؤلاء ليسوا بالضرورة أعداءً واضحين، بل قد يكونون أشخاصاً قريبين نلتقي بهم يومياً في العمل أو المحيط الاجتماعي.
وتظهر سيكولوجية الشخصية السلبية عبر عدة سلوكيات متكررة:
دور الضحية والشكوى الأبدية: أشخاص يرون العالم دائماً من منظور رمزي مظلم، لا يبحثون عن حلول للمشكلات بل يستمتعون بعرض معاناتهم وجلب التعاطف المستمر.
النقد المبطن والتقليل من الإنجازات: يميل الشخص السلبي إلى إحباط طموحات الآخرين وبث الشكوك حول قدراتهم، غالباً بأسلوب غير مباشر أو تحت مسمى “النصيحة والواقعية”.
متاهات التبرير ومحاصرة الآخرين: النزوع الدائم لإدخال من حولهم في دوامات من اللوم والتبرير، مما يفرض على الطرف الآخر شعوراً دائماً بالتقصير والذنب دون سبب حقيقي.
إن التواجد الطويل في بيئة مشحونة بهذه النماذج يؤدي تدريجياً إلى إنهاك الجهاز العصبي، وشعور بـ “الإجهاد العاطفي” يظهر على شكل ثقل في الجسد وفقدان للرغبة في الإنجاز.
ثالثاً: فن الابتعاد ورسم الحدود النفسية
إن القرار بالابتعاد عن السلبية والأشخاص المستنزفين ليس قسوة ولا تخلّياً، بل هو أسمى صور المسؤولية تجاه الذات وحمايتها. كيف نصنع هذه المسافة الآمنة؟
فرض الحدود الصارمة (Boundaries): الحدود النفسية ليست جدراناً للتقوقع، بل هي بوابات تُحدد من يُسمح له بالدخول وكيف يُعاملنا. من حقك التوقف عن الاستماع لأحاديث استنزافية، ومن حقك قول “لا” دون الشعور بالحاجة للتبرير.
تقليل الاحتكاك وتوفير المسافة الآمنة: إذا كان الابتعاد الكامل غير متاح لاعتبارات اجتماعية أو عملية، يغدو الخيار الأنسب هو “التقنين”. تحديد زمن التفاعل وضبط عمق الموضوعات المطروحة يمنع امتداد الأثر السلبي لداخلك.
التخلي عن دور “المنقذ”: يجب أن ندرك أننا لسنا مسؤولين عن إصلاح الجميع أو تغيير نظرتهم للحياة. من يختار الغرق في التذمر لن ينقذه إلقاء نفسك معه في نفس القاع.
في النهايه بيتك الداخلي هو مسؤوليتك
يظل السلام النفسي خياراً يومياً وقراراً شجاعاً تتخذه مع كل صباح. نحن لا نملك دائماً السيطرة على سلوكيات الآخرين أو ظروف الحياة، لكننا نملك بالكامل السيطرة على من نصلح له بالبقاء في مساحتنا الخاصة، وكيف نستجيب لما يدور حولنا.
عندما تبني بيتك الداخلي على الامتنان، الوعي، والحدود الصحية، ستجد أن الطاقة الإيجابية تصبح هي الأصل في حياتك، وأن السلبية بكل أشكالها تتساقط تلقائياً لعدم وجود بيئة تجذبها أو تستقبلها. حافظ على نورك الداخلي، فالحياة أقصر من أن نعيشها في ظلال الآخرين.



