عالم وأديب

متاهة البحث عن الذّات في زمن الفوضى و التّشرذم

بقلم: خالد راشدي

 

 

متاهة البحث عن الذّات في زمن الفوضى و التّشرذم:

 

 

تتسارع دقّات قلبه حتى خيّل إليه أنه سيتوقف عن النّبض و يقفز من صدره و يحلّق بعيدا كطائر مذعور يطلب الخلاص و الهروب ، اجتاحه شعور غريب ينضح قلقا كأنّ كارثة تلوّح في الأفق البعيد دون أن تتجلى ملامحها . كان جالسا في بيته يحدّق بعينين غائرتين في الجدار المقابل يحاول أن يفهم هذا الإضطراب الذي يحرق صدره ، كان منهكا كمن اختمر وجعا و قضى الليل ساهرا بين يدي الأرق .. تمضي السّاعات طوالا كأن حجرته سجن يضيّق عليه الخناق كل لحظة ، فجأة سمع صوتا خافتا من مسافة ليست بالقريبة ولا بالبعيدة صوت لم يكن له مصدر واضح لكنّه حمل في نبراته نداء مستترا ، نهض من فراشه على حذر و اقترب من النّافذة ألصق أذنه بزجاجها البارد يبحث عن ذبذبات الصوت يحاول أن يفهم غموضه إلا أن الصوت ذاب و تلاشى فما أشبهه بالسراب يحسبه الضمآن ماء ، عاد إلى سريره الناعم مجدّدا تمدّد محدّقا في السقف غير قادر على النّوم مثقلا بالأسئلة الحارقة و الملحّة التي لا يجد لها جوابا شافيا . لحظات تمضي كالبرق الخاطف ينتفض من مكانه كما لو دفعه هاجس خفيّ ، خرج إلى الشّارع غير عابئ بحاله يجرّ خطاه بتردّد ، لم يكن يدري إلى أين يقوده التّيه و الضّياع لكنّه رغم ذلك سار و مضى عند أوّل منعطف لمح رجلا كسا المشيب رأسه و زحفت التّجاعيد على وجهه كان جالسا على الرّصيف فسأله عن الوقت ، فأجابه الرّجل بصوت مبحوح أن السّاعة تشير إلى الثّانية و النّصف بعد منتصف اللّيل . عندها انفطر قلبه و تملّكته صدمة اذ لم يدر كيف ابتلعه الوقت بهذه السّرعة .. احتدّت ملامحه و تسارعت خطواته حتى كاد يعدو ، لكنّه ما لبث حتى عاد أدراجه و تباطأ شيئا فشيئا كمن يئس من الوصول الى مبتغاه ، فكأنما اليأس بثّ فيه ترنيمة الهزيمة المدوّية .. يدخل في حوار ساخن مع المجهول لقد فات الأوان فما جدوى الرّكض ؟ لم يكن الهروب من الزمن وحده يحاصره ، بل سؤال يدوّي في أصقاع نفسه بلا انقطاع : لماذا أركض؟” .

كان و مازال يبحث عن شيء مجهول ، صوت استدعاه و لم يعثر عليه ، لم يجد في الشوارع و الطرقات أمامه سوى العتمة و الظلمة و الصمت المهيب و وحشه الفراغ و الفراق ، كان و لازال يسير في متاهة و ظلال بلا ملامح ، غارقا في شعور ثقيل بالضياع و التيه لكنه لم يكن يعلم أنه يبحث عن الصوت بل كان يبحث عن نفسه التي تاهت منه منذ زمن طويل .

السابق
جائزة نجيب محفوظ
التالي
الاحتراق النفسي:صرخة الروح التي أرهقها الصمود

اترك تعليقاً