قبل أسابيع، انضم مهند باحشوان إلى الدفعة العاشرة من برنامج “مسك لانشباد”، برنامج التسريع التابع لمؤسسة محمد بن سلمان “مسك”، بمشروع تقني جديد يستهدف السوق السعودي، الاسم لم يكن مألوفاً في أوساط ريادة الأعمال المحلية، ولذلك سبب بسيط: الشاب قضى السنوات الماضية يبني برمجيات لسوق لا يعرفه أغلب رواد الأعمال في المنطقة، وهو السوق الروسي، القصة، كما يرويها هو، لا تبدأ من فكرة مشروع، بل من قرار بتعلّم مهنة من الصفر.
من معسكر برمجي إلى منتج يدفع عنه الناس
في صيف 2023، أنهى باحشوان برنامج “إلبروس”، أحد أشهر المعسكرات البرمجية المكثفة في روسيا، برامج كهذه تخرّج سنوياً آلاف المطورين، وأغلبهم يبحث عن وظيفة أولى في شركة كبيرة، باحشوان اختار طريقاً آخر: العمل مباشرة على منتجات تُباع لعملاء.
أول هذه المنتجات كان “SalesBoost”، منصة لأتمتة المبيعات والتحليلات للبائعين على “وايلدبيريز”، أكبر سوق إلكتروني في روسيا من حيث عدد البائعين، يقول باحشوان إن هذه التجربة علّمته ما لا يعلّمه أي معسكر: “الفرق بين برنامج يعمل على جهازك، وبرنامج يستخدمه تاجر كل يوم ويعتمد عليه في رزقه”.
إلى جانب ذلك أسّس وكالة تطوير ويب صغيرة تحمل اسم “BA TECH” تخدم عملاء في السوق الروسي، وبنى نظام تصميم واجهات نُشر على منصة npm تحت اسم “Etkan UI” لصالح مؤسسة BACKDOOR السعودية.
مشروع لا يشبه التجارة الإلكترونية
أكثر ما يلفت في سيرة باحشوان مشروع خارج تخصصه الظاهر بالكامل، نظام لأتمتة أعمال إدارة المرافق والخدمات السكنية في مدينة فيلسك بمقاطعة أرخانجيلسك شمال روسيا، ضمن خطة أوسع لتطوير البنية التحتية للمدينة.
يصف باحشوان هذا النوع من المشاريع بأنه اختبار حقيقي لأي مطوّر، وبحسب باحشوان “لا تستطيع أتمتة شيء لم تره بعينك”.
لذلك، على عكس ما يفعله كثير من المبرمجين الذين يعملون من خلف الشاشة، يصرّ على النزول إلى الميدان ومتابعة العملية الفعلية قبل كتابة أي سطر برمجي، “الكود سهل. الصعب أن تفهم كيف تجري الأمور فعلاً على الأرض”.
الذكاء الاصطناعي: “أسرع عشر مرات، لكنه لا يحلّ محلك”
باحشوان من المطورين الذين تبنّوا مبكراً ما يُعرف بالتطوير الوكيلي، أي الاعتماد على وكلاء ذكاء اصطناعي في كتابة الكود ومراجعته، قاد فرقاً كان جميع أعضائها يعملون بهذه الطريقة، ويعمل أحياناً منفرداً على منتجات كاملة بالأسلوب نفسه.
لكنه يرفض الخطاب الرائج عن نهاية مهنة المبرمج، “في المشاريع الكبيرة، الذكاء الاصطناعي يجعل المطوّر أسرع عشر مرات، لكنه لا يعرف لماذا تبني ما تبنيه، ولا يتحمل مسؤولية النتيجة، هذه لا تزال وظيفة إنسان”.
الاتجاه نحو السوق السعودي
في الشهور الأخيرة، انتقل تركيز باحشوان تدريجياً نحو السعودية، لا يفصح كثيراً عن تفاصيل مشروعه الجديد قبل اكتمال برنامج التسريع، لكنه يشير إلى أنه يعمل في المساحة التي يعرفها جيداً، أدوات برمجية للتجار، مبنية على ما تعلّمه من سنوات العمل مع بائعي السوق الروسي.
يصف قبوله في مسك لانشباد بأنه “الخطوة الأولى” نحو إيجاد استثمار ودعم مؤسسي داخل المملكة، ويحتفظ لنفسه بالتطوير والقرار التقني، بينما تتولى مؤسسة BACKDOOR، وهي شريك محلي، الجانب التجاري.
ما الذي يميّز هذه التجربة؟
ما يميّز باحشوان ليس لغة برمجة معينة، بل قدرته على التنقل بين ثلاث لغات بشرية، العربية والروسية والإنجليزية، وبين سوقين لا يكاد يجمعهما شيء، الخبرة التي كوّنها في سوق ناضج وشديد التنافس كالسوق الروسي، يحاول الآن نقلها إلى سوق أصغر لكنه ينمو بسرعة.
هل ينجح حيث تعثّرت مشاريع كثيرة في السوق السعودي؟ الإجابة مؤجلة إلى ما بعد انتهاء برنامج التسريع، لكن باحشوان، على الأقل، يبدو واعياً بأن الطريق أطول من عرض تقديمي جيد، “كل ما بنيته حتى الآن كان لعملاء غيري، هذه أول مرة أبني شيئاً لي، في السوق الذي أريد أن أعمل فيه”.
