هتروح فين يا صعلوك بين الملوك

أصل “هتروح فين يا صعلوك بين الملوك” .. أحداث دامية وتاريخ مرير
كتب د. حربي الخولي
عندما تسمع مثل “هتروح فين يا صعلوك بين الملوك” تجده يضرب لمن يريد أن يأخذ وضعا أقل من وضعه، أو مكانة أقل من مكانته الظاهرة للناس وإن كان في بعض الأحيان له مكانة أدبية خفية أو معنوية أو حتى مادية تفوق من يسعى لأن يلحق بهم، لكن الظاهر أمام الناس أنه أقل ممن يحاول أن يلحق بهم، ومن هنا فهو يشبه الصعلوك الذي لا مال ولا مكانة له ويحاول أن يكون بين الملوك، فبالطبع يسخر الناس منه وينتهرونه قائلين له : “هتروح فين يا صعلوك بين الملوك” .
والحقيقة أن هذا المثل له قصة دامية وحادثة تاريخية في مصر والعالم أجمع، وهي حادثة مذبحة القلعة الشهيرة في الأول من مارس من عام 1811.

وحتى نعرف حقيقة المثل نبدأ أولا بظروف هذه الحادثة، ففي ذلك الوقت صعد نجم محمد علي وصار واليا للقلعة بالانتخاب من المشايخ فتابعهم الناس، لكن ظل المماليك ينوؤنه وينافسونه ويثيرون الاضطرابات، فقرر – بعد أن حاول استمالتهم مرات عديدة – أن يتخلص منهم، فكان محمد علي عائداً من الوجه القبلي وأخذ يجهز جيشاً ينفذه إلي الحجاز لمحاربة الوهابيين تلبية للباب العالي أخذ يجهز معدات هذه الحملة، وعهد بلواء قيادتها لابنه أحمد طوسون باشا وأعد مهرجاناً فخماً بالقلعة، دعا إليه رجال الدولة وأعيانها وكبار مشايخها، وكبار الموظفين العسكريين لشهود هذا الاحتفال، وكان الترتيب أن يلبس طوسون باشا خلعة القيادة، ثم ينزل من القلعة في أبهته وموكبه مخترقاً أهم شوارع المدينة ليصل إلي معسكر الحملة في القبة، وكان مثل هذا الاحتفال من المواكب المشهودة التي تحتشد لها الجماهير، وكان محمد علي باشا قد دعا لهذا الاحتفال أيضاً، جميع الأمراء والبكوات والكُشَّاف المماليك وأتباعهم فاعتبر المماليك هذه الدعوة دعوة للترضية والتصالح، فركبوا جميعاً في كامل زينتهم وأُبَّهتهم وارتدوا أجمل وأثمن ما يملكون من الثياب وامتطوا خير جيادهم، وقصدوا القلعة في موكب مهيب صباح ذلك اليوم، وهناك تلقاهم محمد علي بالبشر والحفاوة فاعتبروا ذلك علامة رضا وقدم لهم القهوة، وشكرهم علي تلبيتهم دعوته بل واستقبلهم في قاعة الاستقبال الكبري وألمح لهم إلي ما ينال ابنه طوسون من تكريم إذا ما ساروا معه في موكبه فأجابوه بالشكر، واعتذروا عن تخلف بقية إخوانهم، الذين مازالوا في الصعيد فقابل الباشا الاعتذار بالتجاوز والتسامح وجعل يتجاذب معهم الحديث إلي أن نادي المنادي مؤذناً بموعد تحرك موكب طوسون باشا، فقرعت الطبول، وصدحت الموسيقي، ونهض المماليك وقوفاً وبادلوا الباشا وبادلهم عبارات التحية والاحترام، وساروا إلي حيث يأخذون مكانهم في موكب ابن الباشا.
ولما تقلد طوسون اللواء بدأ الركب المهيب في التحرك منحدراً من القلعة قاصداً باب الوزير المقرر اجتيازه للخروج علي ميدان الرميلة للتحرك إلي القبة، وتحرك الركب تتقدمه طليعة من الفرسان الولاة يقودها ضابط يدعي “أوزون علي” يتبعها والي الشرطة، والآغا “محافظ المدينة”، والمحتسب، ويليهم “الوجاقلية” ثم كوكبة من الجنود “الأرناؤد” يقودهم صالح أق قوش ومن بعدهم مباشرة المماليك الذين يقودهم “سليمان بك البواب”، ومن بعدهم بقية الجنود الأرناؤد فرساناً ومشاة وعلي أثرهم كبار المدعويين من أرباب المناصب وكبار المشايخ، وكان من المشايخ الشيخ إسماعيل زعلوك الذي ترجع أصول عائلته إلى عرب مطروح المنحدرة من الجزيرة العربية، وكانت عائلته وقتها كبيرة العدد واستوطنت أماكن مختلفة مثل طنطا وخاصة دسوق، وقيل إن نسب العائلة يرجع إلى الشيخ موسى شقيق العرف بالله إبراهيم الدسوقي، وكان الشيخ إسماعيل زعلوك وقتها شيخ الحسابين عامة، وخاصة على منطقة دسوق كلها، وهو يعادل الآن رئيس نقابة التجاريين والغرف التجارية ، وكان الشيخ إسماعيل له صديقه المقرب من أمراء المماليك، فأسرع بحصانه متخطيا النظام لينضم إلى صديقه وهو ما حدث بالفعل، فأصبح يسير في ركب المماليك وهو لا يعرف بما قدره الله ، وسار الموكب علي هذا النظام، منحدراً في الممر الصخري المتعرج الضيق والوعر منحدراً إلي باب العزب لاجتيازه، وفتح الباب واجتازته طليعة الموكب ثم رئيس الشرطة، ثم المحافظ ومن معه ثم الوجاقلية، الذين ما إن تجاوز آخر واحد فيهم حتى ارتج الباب وأقفل من الخارج بإحكام ومن دونه الأرناؤد فلما رأي الجنود الارناؤد الباب قد أغلق كانوا عالمين بما تدل عليه هذه الإشارة. وقبل أن ينتبه المماليك للمكيدة أو حتى يستوعبوا ما حدث كان الجنود الأرناؤد قد تحولوا في هدوء وصمت عن الطريق وتسلقوا الصخور الواقعة عن يمين وشمال الممر وأخذوا مكانهم علي هذه الصخور وعلي الأسوار والجدران المشرفة علي هذا الممر، أما المماليك فكانوا ماضين صوب الباب ولم يتنبه الكثير منهم بعد إلي أن الباب قد أوصد.
ولم تكد صفوفهم الأولي تبلغه حتى رأوه مقفلاً في وجوههم، ورأوا بعض الأرناؤد يتسلقون الصخور المشرفة عليهم فتوقفوا عن المسير والتصقت صفوفهم في بعضها البعض ومن ضمنهم الشيخ إسماعيل زعلوك بالطبع الذي أخذه الهلع والرعب ، ولم تمض لحظات حتى انهمر عليهم الرصاص من كل جانب دفعة واحدة وهم محصورون في هذا الممر الضيق الوعر المتعرج، لا يملكون قراراً لا من شمال ولا يسار ولا أمام ولا للخلف، ولم يكن المماليك يملكون سوي سيوفهم كما أن نزولهم من علي جيادهم لم يمنحهم، حرية الحركة فقد انحشروا تماماً دون ساتر يقيهم من الرصاص. فجاءهم الموت من كل جانب، وحاول الشيخ إسماعيل أن يتقدم بفرسه ناحية الجنود رافعا يده صائحا انه ليس من المماليك لكن الرصاص الذي لا يفرق عاجله فسقط صريعا
فقال الناس عن ذلك في أسى وحزن : – وقد كان الشيخ إسماعيل محبوبا بينهم – ” تروح فين يا زعلوك بين الملوك” وحرف المثل ليقال تروح فين ياصعلوك بين الملوك .
ولله في خلقه شؤون


