حكايات وخواطر

أمي.. نسختي الأولى

أمي.. نسختي الأولى

أمي.. نسختي الأولى

أمي.. نسختي الأولى
أمي.. نسختي الأولى

 

​أمي.. نسختي الأولى

بقلم/ نجلاء علي حسن

الفراشة الزرقاء🦋

****************

​كل حاجة “لأ لأ”..

كل شيء مرفوض أكيد..

الخروج ويّا الصحاب،

وإني أروح مشوار بعيد..

تاخدي أخوكي في إيديكي،

صاحبتك دي بنت مين؟

والعياط كان هو رفيقي،

والزعل طول السنين!

إنتي ليه دايماً كدا؟

تجاوبي مش مترددة:

“بكرة لما تكبري،

وتبقي أم هتعرفي..

وكل عِندِك يختفي!”

​ورغم إني وارثة عِندِك،

رغم إني كنت ضدك،

لما أبويا يزعلك،

أو بكلمة يجرحك..

وإنتي غافرة صابرة راضية،

كنت بتجنن يا أمي من رضاكي،

كنت أشوفه استسلام..

كنت بزعل لما ماترديش،

على خناق أو كلام..

كنت حالفة لما أكبر،

عمري ما أبقى نسخة منك،

عمري ما أقبل إني أصبر،

ع المشاكل والآلام..

​والزمن يجري يا أمي،

واتلهيت في دنيتي..

جامعة.. بيت.. زوج.. عيال،

والمعافرة قسمتي..

والقيتني واحدة واحدة،

ماشية زي المسطرة..

فوق خطوطك اللي كانت،

خلتني يوم متكدرة!

والتقيتني في كل شيء،

نسخة ليكي متكررة..

​وبكل فخر أبتسم،

وأبوس في صورتك أقول لها:

هي دي ست الحبايب،

اللي ربت صح..

هي دي نبع الحنان،

هي دي أمي اللي ياما،

فهمتها غلط زمان..

​يا نسختي الأولى اللي بفخر،

إني حتة منها..

واللي بدعي ربي دايماً،

إني أبقى زيها..

اقبلي مني خضوعي،

اقبلي حبي وسلامي..

اقبلي التوبة يا صابرة،

ع العناد اللي في كلامي.. (كان زمان)

وكنتِ مبتسمة وعارفة،

إني راجعة تاني ليكي،

بالمحبة والاتزان..

​ألف شكر،

ياللي ربيتي بمحبة وإيمان..

وابقي سامحيني يا غالية،

سامحيني ياما ع البعاد..

والانشغال بالسفر أو بالولاد..

والله قدري وقسمتي،

إن شوقي ليكي يقطع مهجتي..

ودعاكي حتى في التليفون،

يصبرني ويمسح دمعتي..

​ربي يحميكي يا غالية،

ربي ياما يحفظك..

وتكوني لي نور هداية،

ربي ياما يحرسك..

وابقي ادعي للولاد..

كل عيد أم يا أمي،

وإنتي أمي ودنيتي..

كل عيد وإنتي دعاكي،

نور ينور سكتي.

 

******أنا نسخة من أمي وهي نسختي الأولى:

وبين ملامح وجهي وملامح وجهها،

​لم أكن أدرك يوماً أنني حين كنت أنظر في المرآة، كنت أرى مستقبلي المرسوم في خطوط وجه أمي، بل كنت أظن في سذاجة الصبا أنني سأرسم خطوطاً مختلفة تماماً، بعيدة كل البعد عن ذاك الصبر الطويل، وعن تلك القيود التي كنت أسميها “حرماناً” وهي في الحقيقة “أماناً”.

​في هذه الكلمات، لا أكتب مجرد قصيدة، بل أقدم اعترافاً متأخراً لامرأة كانت ترى الغد بعين القلب بينما كنت أراه أنا بعين العناد. كانت “أمي” هي السد المنيع أمام عواصف الحياة، وكنت أنا “الابنة” التي تتذمر من صلابة هذا السد. كنت أتعجب من صمتها حين يشتد الخناق، ومن غفرانها الذي كنت أفسره ضعفاً، بينما هو في حقيقته منتهى القوة والترفع.

​مرت السنوات، ودارت عجلة الزمن دورة كاملة، وضعتني في ذات الخانة التي كانت تشغلها. فجأة، وجدت نفسي أردد ذات الكلمات: “لأ لأ”، “خدي أخوكي في إيديكي”، “بكرة لما تكبري هتعرفي”. القيتني، ودون سابق إنذار، أسيرُ فوق ذات المسطرة التي كنت أحاول كسرها يوماً ما. اكتشفت أن الأمومة ليست مجرد لقب، بل هي “عدوى حميدة” من الحنان، وانتقال وراثي للمسؤولية التي تجعلك تتنازلين عن كبريائك الشخصي في سبيل تماسك مركب الأسرة.

​اليوم، حين أنظر إلى صورتها، لا أرى فيها “الأم” التي كانت تمنعني من الخروج أو تأمرني بالانصياع، بل أرى فيها “النسخة المثالية” التي أتمنى أن يرى أولادي فيَّ ولو جزءاً ضئيلاً منها. أرى فيها تلك الفراشة التي احترقت أجنحتها لتضيء لنا عتمة الطريق.

​هذه القصيدة هي رسالة توبة، واعتذار عن كل لحظة ظننت فيها أنني صرت أكبر من نصائحها، وعن كل سفر أبعدني عنها، وعن كل انشغال سرق مني فرصة تقبيل يدها. أهديها لكل أم كانت “نسخة أولى” صالحة، صمدت في وجه الريح لتُخرج للعالم أجيالاً قوية. هي اعتراف بأننا مهما ابتعدنا، ومهما سافرنا، ومهما كبرت مسؤولياتنا، نظل “حتة منها”، ونظل ندور في فلك دعائها الذي هو النور الوحيد الحقيقي في دروبنا المظلمة.

​سامحيني يا أمي، فقد كنتِ على حق دائمًا.. وكنتُ أنا غارقة في “اتزاني” المتأخر الذي تعلمته منكِ وحدكِ.

بقلم/ نجلاء علي حسن

الفراشة الزرقاء🦋

السابق
القرد في عين أمه غزال

اترك تعليقاً