الأمام محمد مصطفى المراغى شيخ الأزهر

الأمام محمد مصطفى المراغى شيخ الأزهر.
بقلم / الكاتب اللواء محمد فوزي.
الأمام محمد مصطفى المراغى شيخ الأزهر شيخ الأزهر الذى تولى مشيخة الازهر مرتين.
***** الشيخ المراغي:
اسمه محمد بن مصطفى بن محمد بن عبد المنعم المراغي من مركز المراغة، محافظة سوهاج ولد في 7 ربيع الآخر عام 1298 هـ الموافق 9 مارس عام1881م.
**** وينسب إلى الحسين بن علي و فاطمة الزهراء بنت النبي محمد صلى الله وعليه وسلم، وقد كان على قدر من العلم والثقافة، حفظ القرآن، وتلقى نصيباً من المعارف العامة، ولتفوقه بعث به والده لطلب العلم في الأزهر بالقاهرة فتلقى العلم علي يد كوكبة من علمائه وتأثر بأصحاب التيار المجدد.
****تأثر المراغي في دراسته
— بشيخه الشاب علي الصالحي الذي درس على يده علوم العربية، وتأثر بأسلوبه في البيان والتعبير.
— وتأثر بالشيخ محمد عبده وكانت النقلة النوعية التي حددت مكانته العلمية،ومستقبله في مدرسة الإحياء والتجديد والإصلاح فلقد تتلمذ على محاضرات الأستاذ الإمام في تفسيرالقرآن ، فانتفع بمحاضراته العامة في التفسير والتوحيد والبلاغة، وتفتحت على يديه مواهبه العقلية، وازداد اتصالا به، وتأثر بمنهجه السلوكي، و دعوته الإصلاحية ومواقفه الوطنية، ودراساته العلمية، وظل وثيق الصلة به، سائرًا على نهجه في التجديد والإصلاح، وكان الإمام المراغي معروفًا بين أقرانه من الطلاب بالأخلاق الكريمةوالحرص على مواصلة البحث والدراسة ووفرة التحصيل، وكان له رفقة من طلاب الأزهر النابهين يواصلون قراءة الدروس والكتب المقررة قبل إلقاء المدرسين لها، كما كانوا لا يكتفون بدراسة الكتب المقررة بل كانوا يقبلون على كل مصادر المعرفة وشتى العلوم ينهلون منها.
****ولقد تقدم في الثاني عشر من ربيع الأول عام 1322هـ الموافق 26 من مايو عام 1904م لأمتحان العَالِمية فنالها بتقدير الدرجة الثانية، وكان الشيخ محمد عبده هو الذي يمتحنه في شهادة العَالِمية، فلاحظ أن الشيخ المراغي مريض، فلما إنتهى الإمتحان قال له: لاحظت أنك محموم ولكنك كنت فوق الإجازة، وظهرت النتيجة وكان المراغي أول زملائه في النجاح، وإن لم ينل الدرجة الأولى؛ لأن إجماع لجنة الإمتحان عليها عسير، وقد دعاه الشيخ محمد عبده إلى منزله تكريمًا له، وقد نال الشيخ محمد مصطفى المراغي العَالِمية وهو في الرابعة والعشرين من عمره، وهي سِنٌّ مبكرة بالنِّسبة إلى علماء الأزهر.
*** بدأ التدريس بالأزهر، ولم يطل مُكثه بالتدريس إلا بضعة أشهر أختير بعدها قاضيًا بالسودانطلبت حكومة السودان من الشيخ محمد عبده أختيار قضاة السودان الشرعيين، كان الإمام المراغي في مقدمة من أختارهم، فسافر الشيخ الإمام محمد مصطفى المراغي قاضيًا لمديرية دنقلة، وبعد قليل نُقل الشيخ الإمام قاضيًا لمديرية الخرطوم، وفي هذه الفترة كان الشيخ الإمام المراغي دائم الإتصال بأستاذه الإمام الشيخ محمد عبده، فقد تبادلا رسائل قيمة في الشئون الدينية والوطنية، وظلَّ الشيخ الإمام المراغي وفيًّا لأستاذه في حياته وبعد مماته.ومع قِصَرِ هذه المدة لفت إليه الأنظار ببراعته في الشرح والإبانة، حتى جذب إليه حشودًا عديدة من الطلاب.
**** وفي عام 1907م أختلف هو وقاضي القضاة والسكرتير القضائي في وجهة النظر في أختيار المفتشين بالمحاكم الشرعية في السودان، فقدَّم أستقالته وعاد إلى مصر.
****وفي الثاني من شعبان عام 1325هـ الموافق التاسع من سبتمبر عام 1907م عُيِّن مفتشًا للدروس الدينية بديوان عموم وزارة الأوقاف، ولكنه لحبه للبحث والدراسة عاد إلى التدريس بالأزهر مع أحتفاظه بوظيفته في الأوقاف.
*****صدر أمر بتعيينه مرة ثانية في 4 رجب عان 1326 هـ الموافق 1 أغسطس عام 1908م قاضي القضاة بالسودان.
أنتهى عمله بالسودان، وكان في هذه المرة ممتدًّا من عام 1908م حتى عام 1919م.
بعدما عاد الشيخ الإمام محمد مصطفى المراغي من السودان، تولَّى مناصب قضائية هامة، وهي:
– رئيس التفتيش الشرعي بوزارة الحقانية (العدل) في 9 أكتوبر عام 1919م.
– رئيس محكمة مصر الكلية الشرعية في 21 يوليو عام 1920م.
– عضو المحكمة العليا الشرعية في 27 يناير عام 1921م.
– رئيس المحكمة العليا الشرعية في 11 ديسمبر عام 1923م.
ولِّي هذه المناصب القضائية الكبرى ما بين عام 1919م و عام 1928م، وفي هذه المناصب قام بعدة إصلاحات هامة، حيث أمر بتشكيل لجنة لتنظيم الأحوال الشخصية برئاسته، ووجَّه اللجنة إلى عدم التقيد بمذهب الإمام أبي حنيفة إذا وجد في غيره ما يُنَاسب المصلحة العامة للمجتمع، وكان القضاة قبل ذلك مقيدين بمذهب الإمام أبي حنيفة، فجعلهم يقتبسون من المذاهب الأخرى ومن آراء المجتهدين بما يناسب الزمان والمكان، وبهذا أستطاع أن يقوم بإصلاحات عديدة في محيط الأسرة الإسلامية، فأصدر في يوليو عام 1920م قانون الأحوال الشخصية.
****** مِحَنٌ واجهت الشيخ الإمام المراغي:
كان الشيخ الإمام المراغي مستمسكًا بالحق، حريصًا على الأمانة والصدق، وقد تعرض في هذا لِمِحَنٍ عديدة كادت تكلفه حياته وتغلب عليها، ومنها: أن قضية هامة عرضت عليه وهو رئيس للمحكمة الشرعية العليا، فلوَّح له بعض أصحاب النفوذ بأن الحُكمَ يجب أن يصدر لصالح فَردٍ مُعينٍ على أن تكون المكافأة على ذلك مبلغًا ضخمًا من المال يسيل له اللعاب، فرفض في شمم وإباء، فعمل أصحاب الشأن على منعه من نظر القضية فاستأجروا من يقتله، فتربص له المجرم وألقى عليه ماء النار، ولطف الله بالشيخ الإمام فأصابت -ماء النار- عنقه وأجزاء من جسمه ولم تصب منه مقتلاً، ووصف الشيخ الإمام هذا الشخص الذي تعدَّى عليه وصفًا دقيقًا، فتم القبض عليه، وعلى من حرَّضاه على القتل، وحُكِمَ على المتهمين الثلاثة بالسجن أربع سنوات وبألفي جنيه تعويض، وقد اشتهرت هذه القضية بإسم ، قضية هنري سكاكيني.
ومن المحن التي تعرض لها ولقي ربه على أثرها، ما حدث له عام 1945م فقد طَلَّق الملك فاروق زوجته الأولى الملكة فريدة، وأراد أن يُحرِّم عليها الزواج بعده، فأرسل إلى الشيخ يطلب منه فتوى تؤيد رغبته فرفض، فأرسل إليه الرسل يُلحون عليه – وكان الشيخ يُعالَج بمستشفى المواساة بالإسكندرية- فرفض الإستجابة ، وضاق الملك ذرعًا بإصراره على الرفض .
***** ولقد اشتهر الإمام الأكبر الشيخ مصطفي المراغي بصلابته وموقفه الرافض للخضوع للملك فاروق، فذهب الملك فاروق إليه في المستشفى مُحتدًّا وكان رده الشهير عند طلبه إصدار فتوى لتحريم زواج الملكة فريدة بعد طلاقها: “أما الطلاق فلا أرضاه، وأما التحريم فلا أملكه، ولا أستطيع تحريم ما أحل الله”. ولقد كانت مواقفه لا تتغير وكانت تتسم بالعزة وكرامة منصب شيخ الأزهر، رافضاً أي ضغوط سياسية، ومؤكداً أن “لا سلطان على شيخ الأزهر إلا لله.

