حكايات وخواطر

بَقَايَا إِنْسَان

بَقَايَا إِنْسَان

بَقَايَا إِنْسَان

بَقَايَا إِنْسَان
بَقَايَا إِنْسَان

بَقَايَا إِنْسَان

بقلم: نجلاء علي حسن

الفراشة الزرقاء🦋

​(عَنِ العِيدِ فِي الغُرْبَةِ)

**************

​وَيَأْتِي العِيدُ بِغُرْبَتِنَا،

وَالنَّفْسُ تُصَارِعُ كَيْ تَهْدَأْ!

نَتَمَسَّكُ بِرَحِيقِ الذِّكْرَى،

فَهِيَ المَرْفَأْ..

​وَنَتُوقُ لِنَسْمَعَ فِي المَسْجِدِ

تَكْبِيرَ العِيدِ.. “اللهُ أَكْبَرُ”

وَنُكَبِّرُ دَاخِلَ أَنْفُسِنَا،

أَوْ فِي البَيْتِ،

وَالفَرْحَةُ تَصْغُرْ..

​نَتَمَنَّى تَدُقُّ هَوَاتِفُنَا

بِرَقْمِ الأَحْبَابِ!

وَنُمَنِّي النَّفْسَ بِأَنْ نَسْمَعَ

دَقّاً بِالبَابِ!

​نَتَذَكَّرُ وَقْتاً كَانَ جَمِيلاً بِالوَطَنِ

وَنَحْنُ صِغَارْ..

العِيدُ لَدَيْنَا هُوَ الفَرْحَةُ!

نَسْمَعُ دَوْماً:

“أَهْلاً أَحْبَاب، عِيدُكَ طَيِّبٌ، يَنْعَادُ عَلَيْكَ،

أَتَمَنَّى لَكَ كُلَّ سَعَادَةٍ،

اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ عَمَلَكَ.. صَوْماً وَعِبَادَة”

​وَسَلَامٌ حَارْ،

لَا فَرْقَ لَدَيْكَ بَيْنَ أَخِيكَ أَوِ ابْنِ الجَارْ!

وَالجِيرَةُ كَانَتْ عَزْوَتَنَا..

مَا عِشْنَا هَذَا بِغُرْبَتِنَا!

​حَتَّى صَوْتُ البَاعَةِ المُزْعِجُ،

وَضَجِيجُ الجِيرَانِ المُقْلِقُ،

وَصِيَاحُ دَجَاجَةِ جَارَتِنَا،

هَلْ نَسْمَعُ هَذَا بِغُرْبَتِنَا؟

​يَا هَذَا المُتَغَرِّبُ مِثْلِي،

هَلْ أَنْتَ سَعِيدٌ بِالغُرْبَةِ، أَمْ غَيْرُ سَعِيدْ؟

هَلْ يَشْعُرُ قَلْبُكَ بِالفَرْحَةِ بِهِلالِ العِيدْ؟

​هَلْ وَطَنُكَ يَكْبُرُ فِي نَفْسِكَ، لَوْناً أَخْضَر؟

وَهَلْ مَا زَالَ بِذَاكِرَتِكَ،

مِنْ يَدِ أُمِّكَ.. كَعْكَةُ سُكَّر؟

وَطُبُولُ مُسَحِّرِ حَارَتِنَا،

تُنَادِيكَ لكَيْ تَتَسَحَّر؟

​وَتُقَبِّلُ يَدَ جَدٍّ حَمَلَتْ، سُبْحَتُهُ اسْمَ اللهِ الأَكْبَر؟

وَجَبِينَ الوَالِدِ بَعْدَ صَلَاةٍ،

وَزَكَاةَ الفِطْرِ.. وَتَتَعَطَّر؟

​العِيدُ هُوَ أَنْ نَتَذَكَّر!

وَأَنَا يَوْمِيّاً بِالغُرْبَةِ،

تَتَنَاقَصُ مِنْ قَلْبِي قِطَعٌ، تَنْهَشُهَا غِرْبَانُ الوَحْدَة..

يَنْقَضُّ عَلَيَّ يُؤَرِّقُنِي، لَيْلُ الوَحْشَة..

أَصْبَحْتُ مِنَ الدَّاخِلِ أَجْوَفَ، فَلِمَاذَا الدَّهْشَة؟

​هَلْ يَحْسُدُ مَنْ قَدْ يَعْرِفُنِي

حَقَائِبَ سَفَرِي؟

أَيَظُنُّونَ بِدَاخِلِهَا فَرَحاً وَأَمَانْ؟

لَا أَشْعُرُ أَبَداً أَنَّ بِلَادَ الغُرْبَةِ أَوْطَانْ..

وَأَظَلُّ غَرِيباً فِي وَطَنِي، بَيْنَ الأَحْضَانْ!

​الآن..

الآنَ عَرَفْتُ بِأَنِّي صِرْتُ بَقَايَا إِنْسَان!

وَعَرَفْتُ بِأَنِّي فِي ذَاكِرَةِ الوَطَنِ الغَالِي،

مُجَرَّدُ رَقْمٍ غَائِبٍ، بَلْ أَقْرَبُ لِلنِّسْيَان!

​وَبِبَيْتِ الأَهْلِ السَّابِقِ صِرْتُ،

صُوَراً بَاهِتَةً بِالجُدْرَانِ،

وَالوَطَنُ الأَخْضَرُ أَصْبَحَ قَبْراً..

أَعُودُ إِلَيْهِ بِأَكْفَانِي.

 

*****بصفتي “الفراشة الزرقاء”، التي اعتادت أن تطرز بالكلمات ما عجزت عنه الألوان، أقف اليوم أمام نصي “بقايا إنسان” لا ككاتبة فحسب، بل كروحٍ مبعثرة تحاول لملمة أجزائها بين حقيبة سفر وغربة وطن. في هذه القصيدة، لم أرد كتابة مجرد كلمات عن العيد، بل أردتُ رصد تلك اللحظة التي يتحول فيها المغترب من كائنٍ حي يضج بالحلم، إلى “رقم غائب” في ذاكرة الأمكنة.

​تبدأ رحلتي في النص من المفارقة المؤلمة؛ العيد الذي هو رمز للبهجة، يصبح في الغربة مرآةً تعكس انكسارنا. حين أقول “والنفس تصارع كي تهدأ”، فأنا أصف تلك الحرب الداخلية بين الرغبة في الفرح وبين حقيقة “الوحشة” التي تسكن البيوت الباردة. لقد استبدلتُ صخب الشوارع بتكبيراتٍ خافتة داخل جدران البيت، وكأن الفرحة تخجل من أن تكبر في غير أرضها.

​تعمدتُ في قصيدتي أن أستحضر الحواس؛ فنحن في الغربة لا نشتاق للكمال، بل نشتاق لـ “الضجيج الجميل”. حنيني لم يكن لقصور أو متنزهات، بل كان “لصياح دجاجة الجارة” و”أصوات الباعة المزعجة”. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي كانت تشعرنا بأننا أحياء، بأننا جزء من نسيج إنساني دافئ، لا مجرد شاشات هواتف ننتظر أن تضيء بأسماء الأحباب.

​وفي المقطع الذي سأل فيه: “هل يحسد من قد يعرفني حقائب سفري؟”، أردتُ أن أضع الإصبع على الجرح الغائر. العالم يرى “الواجهة”، يرى الحقائب المليئة بالهدايا، لكنهم لا يبصرون “الخوف” الذي يملأ الفراغ بداخلها. الحقيبة بالنسبة للمغترب ليست وعاءً للملابس، بل هي تابوتٌ صغير نحمل فيه ما تبقى من رائحة الأهل.

​إنني في “بقايا إنسان” أعلن انكسار المبدع أمام سطوة الحنين. حين وصفتُ نفسي بأنني “أجوف من الداخل”، كنتُ أجسد تلك الحالة التي يمتص فيها الاغتراب روح الفنان، ليتحول جسده إلى مجرد جسر بين وطنين: وطنٍ في الذاكرة لم يعد موجوداً كما كان، ووطنٍ في الواقع لا يعترف به إلا كغريب.

​ختمتُ نصي بصورة “الأكفان”، وهي ليست دعوة للموت، بل هي وصف لحالة العودة المتأخرة. فالوطن “الأخضر” الذي نحلم به، قد يتحول في غيابنا الطويل إلى “قبر” لذكرياتنا، حيث نكتشف في النهاية أننا لم نفقد المكان فحسب، بل فقدنا أنفسنا في الطريق إليه.

​هذه القصيدة هي صرختي الهادئة، هي جناحي الذي احترق بنور الحنين، وهي رسالة لكل من يظن أن الغربة “غنى”، بينما هي في حقيقتها “نقصان” يومي في قطع القلب.

السابق
كعك العيد
التالي
فرحة العيد

اترك تعليقاً