حارة برجوان


الكاتب الصحفى عبدالناصر محمد يكتب :
تخاريف صيام .. حكايات حارتنا ( ٢٦ )
” حارة برجوان ” .. وحكايات ألف سنة !!
أبوالفتوح برجوان واحد من أشهر الشخصيات العامة فى عهد الخليفة الفاطمى العزيز بالله ، توفى الخليفة يوم ٢٨ رمضان سنة ٣٨٦ هجرية/ ١٣ أكتوبر ٩٩٦ ميلادية وخلفه إبنه الحاكم بأمر الله وكان عمره لا يتجاوز ١١ عام وتولى برجوان الوصاية عليه وأصبح هو الحاكم الفعلى للبلاد ، وفى هذه الأثناء قام برجوان ببناء قصر كبير بالقرب من مقر الحكم بالقلعة ليقيم فيه مع أسرته وهو يقع فى حارة متفرعة من شارع المعز لدين الله ، والتى أُطلق عليها إسمه وهى تعد أقدم حارة على الإطلاق فى مصر المحروسة حيث مر على إنشاؤها نحو ١٠٣٠ سنة ولم يتغير إسمها حتى الآن .. إنها ” حارة برجوان “.

حين تقف فى منتصف شارع المعز وأمام حارة الدرب الأصفر الشهيرة تجد بوابة حجرية تاريخية عظيمة هى بوابة الأمير سليمان أغا السلحدار التى بُنيت سنة ١٨٢٩ م ، والتى تتميز بطرازها العثمانى وبالنقوش التى تعلو عقدها ، كما يعلوها لافتة صغيرة مكتوب عليها عبارة ” سكة برجوان ” فى إشارة إلى دخول تلك الحارة العتيقة الشاهدة على جانب مؤثر من تاريخ مصر على مر الزمان ، وكانت تغلق هذه البوابة عقب صلاة العشاء على سكانها بواسطه الحارس المسؤول عن ذلك.

البوابة العريقة تقودك إلى عالم ملىء بالذكريات التى تركتها الأجيال داخل حارة برجوان ، فعقب إغتيال أبو الفتوح برجوان بأمر من الحاكم بأمر الله سنة ١٠٠٠م ظل القصر سكنا لعلية القوم فى الدولة الفاطمية ، وحين أطاح صلاح الدين الأيوبى بالدولة الفاطمية قام بتوزيع قصور الأمراء الفاطميين على قادته وأهله ، وكان قصر برجوان من نصيب شقيقه ” شمس الدولة توران شاه ” ، ومع الزمن اختفى واندثر قصر برجوان وأصبح مكانه مساكن شعبية.
أبرز من سكنوا هذه الحارة هو بدر الدين الجمالى الذى استدعاه الخليفة الفاطمى المستنصر بالله لإنهاء الشدة المستنصرية ، ثم آل أمر القصر بعد ذلك لإبن بدر الجمالى وهو ” الأفضل شاهنشاه ” ، ثم أصبحت المنطقة المحيطة بالحارة هي المركز الإدارى والعسكرى للدولة الفاطمية في عهدهما.
ويعد أعظم المؤرخين وهو ” المقريزى ” أشهر من سكن الحارة ، حيث وُلد ونشأ فيها ، ويُعد كتابه “المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار” المرجع الأهم لتاريخ شوارع وحوارى القاهرة.

كما كان يقيم بتلك الحارة التاريخية العريقة الأمير سليمان أغا السلحدار والذى له بصمات واضحة فى الأعمال المعمارية غاية فى الأبهة والعظمة بخلاف البوابة الحجرية العتيقة ، من بين هذه الأعمال مسجد السلحدار بشارع المعز والذى يحتل جانبه الخلفى والميضأة الخاصة به مساحة كبيرة للغاية بحارة برجوان ، فضلا عن سبيل يتميز بشكله البيضاوى و بالزخرفة العثمانية المبدعة والذى يعد أحد أبرز المعالم الأثرية بشارع المعز.

أسرة موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب والذى وُلد فى شارع الشعرانى بحى باب الشعرية سكنت لفترة فى أحد بيوت حارة برجوان ويُقال إن طفولة موسيقار الأجيال وبداياته الفنية ارتبطت بأجواء هذه الحارة العريقة.
حين يأخذك السحر والتشويق بيديك ويسير بك داخل دهاليز المكان فى تلك الحارة العتيقة تجد على يسارك أثر مملوكى هام هو ” زاوية نور الدين جولاق ” أو زاوية الزينى رمضان المبنية سنة ٨٧٠ هجرية/ ١٤٦٥ ميلادية .

وهى حاليا فى أحضان بيوت الأهالى والورش الذين المحيطة بها ، ودخلت دوامة النسيان والإهمال الحكومى فأصبحت وكر للمنحرفين ومقلب زبالة كبير إلى أن وصلت لحالة يرثى لها.
يوجد كذلك بهذا الشارع أحد أجمل المساجد المملوكية وهو مسجد أبوبكر مزهر الذى بنى سنة ١٤٧٩ م والذى يتميز بزخارف الرخام الملون (الأبلق) والمنبر الخشبى المطعم بالعاج والآيات القرآنيّة المحفورة بدقة.
بعد أن إنتزعت حارة برجوان ثوب علية القوم وكبار المسئولين الذين كانوا يقطنون بها ، تحولت إلى مركز رئيسى للحرف اليدوية بخاصة صناعة وتجارة الأحذية والمنتجات الجلدية ولازالت تحتفظ ببعض الورش العريقة فضلا عن حرف أخرى فقد كانت هناك ورشة عريقة للجوارب كان يملكها أحد كبار المهنة وهو الأسطى جمال عزب الصاوى رحمه الله والذى تتلمذ على يديه عدد كبير من صبية الصنعة والذين أصبحوا بعد ذلك كبار الأسطوات فى هذه المهنة.
ولقد كان للحارة نصيب كبير فى عالم الفن والسينما حيث يوجد فيلم سينمائى يحمل إسمها بطولة نبيلة عبيد ويوسف شعبان فضلا عن تصوير مشاهد سينمائية ودرامية وإعلانية عديدة بهذه الحارة صاحبة الألف سنة.

