حكاية كوتسيك

حكاية “كوتسيكا” من دفتر عشاق الوطن
مؤسس السبرتو وصاحب أول سيارة إسعاف ومنشئ المستشفى اليوناني
كتب / د. حربي الخولي
كوتسيكا من أغرب أسماء المناطق في مصر منطقة كوتسيكا تلك المنطقة التي تقع بمنطقة طرة التابعة لحي المعادي ومنطقة طرة نفسها منطقة عريقة وقديمة جدا ترجع للعصر الفرعوني كانت معروفة لقدماء المصريين باسم ” طرويو” أو ” طارو ” والتي تعني الحجارة أو المحاجر حيث كانت أكبر مصدر للحجر الجيري في مصر والذي كان يستخدم في بناء المقابر، ومن اسم ” طرويو” جاء اسم طرة تحريفا للاسم الأصلي. ومنطقة طرة تنقسم إلى ثلاث مناطق هي طرة البلد وكوتسيكا وطره الأسمنت، ومن أشهر معالمها سجن طرة أو ليمان طرة وكلمة ليمان هى كلمة من أصل تركى وهى تعني ( الميناء) لأنه فى عهد الوالي محمد علي ترجمت القوانين التركية إلى العربية وكانت منها هذه الكلمة ( ليمان )، فالمذنب كان يحكم عليه بالذهاب إلى الليمان أى الميناء لكى يعمل بالأعمال الشاقة من تحميل وتفريغ البضائع، ثم استحدثت الكلمة وأصبحت تطلق على السجون المصرية لما كان فيها من مشقة من تكسير وحمل الحجارة، ومن هنا جاءت عبارة أشغال شاقة . وبطرة مسجد عبد المنعم رياض الذي تأسس في عام 1969 ومدينة الأخاء، وطرة الأسمنت التي يوجد بها مصنع اسمنت بورتلاند طرة. وتقع منطقة شق الثعبان بطرة المعادى وتشتمل على 1858 مصنعا وورشة لتصنيع وتصدير الرخام، وتعتبر منطقة شق الثعبان إحدى قلاع تصنيع وتصدير الرخام فى العالم.

وقد ذكرت بعض المصادر أن الملك فاروق اتخذ من المنطقة الحالية التي تسمى طرة البلد مكانا للراحة والاستجمام، حيث كانت البساتين والأشجار والفاكهة بالقرب من نهر النيل، وسميت المنطقة باسم ركن فاروق أو الفاروقية قبل أن يتبدل الاسم إلى طرة البلد ، وقد جعل الاستعمار الإنجليزى منها مناطق عسكرية وأسماها “كينج الآى”، وجعل ثكناته العسكرية متاخمة لها وأطلق عليها “شينج الآى” (منطقة ثكنات المعادى)، ثم منطقة معادى السرايات وأطلق عليها “برينج الآى”، وجدير بالذكر أن حي طرة أو منطقة طرة يوجد بها ثلاث محطات مترو تبدأ من محطة طرة البلد مرورا بمحطة كوتسيكا ثم محطة طرة الأسمنت، وتعتبر من أقدم محطات مترو الأنفاق التابعة للخط الأول رمسيس حلوان .
ونعود إلى منطقة كوتسيكا في طرة، فنجد أن ذلك الاسم يرجع إلى الخواجة اليوناني تيوخاري كوتسيكا أو كوزيكا، ذلك الرجل الثري الذي كان يعيش باليونان بالقرن التاسع عشر، ثم قرر أن يهاجر إلى مصر مثله مثل الكثير من اليونانيين الذين وجدوا في مصر مجتمعا يضمهم منذ حكم الإسكندر الأكبر (332-323 قبل الميلاد)، فكثرت هجرتهم لمصر، ووجد الخواجة كوزيكا في مصر خاصة القاهرة مكانا للعمل والربح، وقد كان عبقريا في الاستثمار واستغلال الأموال فازداد ثراء حتى صار من أغنى أغنياء الجالية اليونانية في مصر بداية القرن العشرين، وقدرت ثروته بأربعة ملايين جنيه وقتها. وبعد أن افتتح كوزيكا الكثير من المحلات الغذائية فكر في أن يوسع نشاطه بصورة كبيرة بأن يقوم بإنشاء مصنع كبير لصناعة الكحول الذي كانت صناعته بدائية في مصر وتعتمد على المستورد منه، فاختار منطقة بكرا يمر بها النيل ويسهل تحويلها لمنطقة حياة، فكان اختيار منطقة طرة فأنشأ بها أول مصنع للكحول تحت اسم مصنع ” سبرتو ” الذي صار عالما بعد ذلك على كلمة الكحول وذلك في عام 1893 ، ولما كان المصنع يقدم إنتاجا مميزا وجديدا وبسعر منافس صار المورد الوحيد للكحول في مصر، فكان الثراء الواسع للخواجة كوزيكا الذي عرف عنه الرحمة وحب المصريين ومساندتهم والتعاون مع العمال وحضور كل مناسباتهم السعيدة والحزينة، وإمدادهم بما يحتجون إليه من مساعدات نقدية وعينيه، فأحبه المصريون حبا شديدا وتفانوا في العمل بالمصنع تفانيا لا مزيد عليه .
وعندما بدأت فكرة إنشاء الإسعاف أو مؤسسة لمواجهة الطوارئ في 21 يوليو 1902 بقيادة الإيطالي بيترو فازاي، والذي قام بنشر نداء موجه إلى الجنسيات والملل المقيمين في مصر من أجل توحيد الجهود لإقامة هذه المؤسسة، كان كوزيكا من الداعمين لهذه الفكرة، وساهم ماليا فيها خاصة بعد انتشار الكوليرا بمصر والاحتياج لهذه المؤسسة التي تكونت تحت اسم “الجمعية الدولية للإسعافات الصحية العاجلة”. وقد ساهم كوزيكا بشراء أول سيارة إسعاف في مصر حيث اشتراها من فرنسا وأهداها للإسعاف المصرية .
وفي عام 1932 وأثناء عمل المصنع انفجرت إحدى الغلايات وأصيب أحد العمال بشدة ولم يجد مستشفى مجهزا لعلاجه فتوفي؛ مما أحزن كوتسيكا بشدة وبعد أن زار أسرته وأمدهم بما يحتاجون من مال وجعل لهم راتبا شهريا قرر إنشاء مستشفى كبير ليكون مركزا لعلاج المصريين والأجانب، وبدأت أعمال الحفر في المستشفى اليوناني يوم 15 مايو 1932 في عهد الملك فؤاد الأول، لينتهي يوم 27 أغسطس 1938، ثم تم افتتاحه في مطلع سبتمبر من العام نفسه. وقدمت المستشفى اليوناني خدمات صحية على أعلى مستوى للمصريين واليونانيين على حد سواء، وقد انتهج لنفسه سياسة خاصة وهي ألا يعادي احدا من الحكام ولا يعمل بالسياسة مطلقا، ويكون سندا وعونا للمصريين مع حفاظه على علاقاته الطيبة بالملوك، وتوسع نشاط كوزيكا فأنشأ مصنعا للنشا والجلوكوز، وكانت غالبية الأيدى العاملة من المصريين وبعد التأميم لم يهرب كوزيكا خارج مصر كما فعل الكثير من الأجانب أيام التأميم، ولكنه ظل بمصر وارتضى التأميم وكان حريصا على زيارة شركاته والمستشفى اليوناني في كل وقت ليتفقد سير العمل بها ، ويتأكد أنه لم يضار عامل، وتوفى كوزيكا عام 1962 ليودعه المصريون بالدموع مع أبناء الجالية اليونانية، ليتم تسمية المنطقة التي عاش فيها باسمه اعترافًا بأعماله الطيبة. ونال كوزيكا تكريمًا جديدًا من الحكومة المصرية عند الانتهاء من خط مترو الأنفاق الأول، حيث تم إطلاق اسم كوزيكا الذي تحول إلى «كوتسيكا» على إحدى المحطات الواقعة بين طرة البلد وطرة الأسمنت. وصدرت رواية تحمل اسم «كوتسيكا» للكاتبة غادة العبسي عام 2021، والتي ترصد تاريخ الجاليات اليونانية في مصر بالعصور الحديثة.



