مدير الأمانة العلمية بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية
سنة أولى صيام (كيف نعلم أبنائنا فريضة الصيام)
الحمد لله رب العالمين، أعدّ لمَنْ أطاعه جنات النعيم، وسعرّ لمَنْ عصاه نار الجحيم، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأصلي وأسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم)، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
أيها الأخوة الأحباب: الصيام من العبادات الطويلة الشاقة التي يصعب على البالغين أداؤها ـ وخصوصًا في شهور الصيف ـ فما بالنا بالأطفال والصبية الصغار الذين يصومون معنا لأول مرة، لذا وجب على أولياء الأمور اتخاذ عدة أمورٍ لتعليم الأبناء فريضة الصيام، كالآتي:
1ـ عدم أمر الأطفال بالصيام إلا في سنة السابعة، وبشرط أن يكون الطفل معافى بدنيًا، غير معتل الصحة، وهذا قياسًا على الأمر بتعليم الصلاة، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرِ سِنِينَ…)(مسند أحمد، رقم:6756).
2ـ الحرص على تناول الأطفال طعام السحور، وتأخيره، فتلك هي السنة النبوية فيه، فعن زيد بن ثابت (رضي الله عنه) قال: (تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلَاةِ). فسئل: كم كان قدر ما بينهما (بين الانتهاء من السحور، والدخول في الصلاة). قال: (خَمْسِينَ آيَةً)(رواه البخاري، رقم:1921)، أي: قدر قراءة خمسين آية، وهذا لا يزيد عن ثلاثة دقائق.
وطعام السحور يمنع عنهم الجوع والعطش طوال ساعات الصيام، هذا الجوع والعطش هو الذي يذهب بطاقتهم وحيوتهم، فيسبب لهم الفتور، والكسل والخمول، والإضعاف، وهذا من بركة طعام السحور التي أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إليها، فقال: (تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً) (البخاري، رقم:1923، مسلم، رقم:1095).
وقال صلى الله عليه وسلم: (هَلُمَّ إِلَى هَذَا الْغِذَاءِ الْمُبَارَكِ)(رواه أحمد، رقم:17143)، والسحور يتحقق ولو بجرعة (شربة) ماء، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (السَّحُورُ أَكْلُهُ بَرَكَةٌ، فَلَا تَدَعُوهُ، وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جُرْعَةً مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّ اللهَ (عَزَّ وَجَلَّ) وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ)(رواه أحمد، رقم:11086) أي: ينزل الله عليهم رحمته دنيا وآخرة، وتستغفر لهم الملائكة.
3ـ التدرج بهم في ساعات الصيام حتى يكتمل عَقْد اليوم، كأن نأمرهم بالصوم أول عام لصلاة الظهر مثلا أو بعدها بساعة، وفي العام التالي نأمر للعصر مثلا وهكذا حتى يتعودوا على صيام النهار كاملا، فالتدرج منهج رباني وخصوصًا في الجانب التشريعي، فكثيرٌ من العبادات والطاعات مرت بمراحل تشريعية ـ تحليلًا وتحريمًا ـ ولم تفرض بصورتها المعهودة اليوم مرة واحدة، كالتدرج في تحريم شرب الخمر، والتدرج في تشريع الصلاة، والتدرج في الإرث والمواريث، والتدرج في تحريم نكاح المتعة، بل إن فريضة الصيام نفسها مرت بمراحل تشريعية أربعة.
4ـ اتباع سياسة الإلهاء عن الجوع والعطش، وآلام الصيام، وتلك سياسية تربوية تعليمية تعلمناها من صحابة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ (رضي الله عنها) قالت: أرسل النبي صلى الله عليه وسلم غداة (صبيحة) عاشوراء إلى قرى الأنصار: (مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا، فَليَصُمْ). قالت: فكنا نصومه بعد، ونصوم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار. (البخاري، رقم:1960، مسلم، رقم:1136).
5ـ اتباع سياسة الثواب فقط، مع الابتعاد عن العقاب إلا بعد سن العاشرة قياسًا على الصلاة، فمن أنجح الأساليب التربوية والتعليمية اتباع سياسة الثواب، كوعد الأطفال بمكافأة مالية، أو بلعبة جميلة، أو بفسحة ترفيهية، أو بملابس جديدة…إلخ، ويا حبذا لو كان بعض تلك المكافأت فورية يوميًا عند الإفطار، وقد أشار الحديث السابق للسيدة الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ (رضي الله عنها): (ونجعل لهم اللعبة من العهن) إلى ذلك.
والله أعلى وأعلم وهو المستعان وعليه التكلان