حكايات وخواطر

مسجد أحمد ابن طولون

مسجد أحمد ابن طولون

 

مسجد أحمد ابن طولون
مسجد أحمد ابن طولون

مسجد أحمد ابن طولون

كتب / د. حربي الخولي

مسجد أحمد ابن طولون اليوم اصحبكم في جولة رمضانية وأغرب وأكبر مسجد معلق بمصر، المسجد الفوقاني الذي لا يغرق أو يحترق

..   اسمح لي القارئ الكريم أن اصطحبك في رحلة تاريخية، أرجو أن تكون ممتعة، حول قصة بناء أعجب مسجد في مصر والعالم العربي، أو المسجد المعلق – المساجد المعلقة أي المشيدة بارتفاع عن منسوب الطريق ويصعد إليه ببضع درجات ويوجد بعض منها في مصر مثل الجامع الأقمر، ومسجد الصالح طلائع، والمؤيد شيخ، ومسجد تربانة – والوحيد الذي يحوي مئذنة سلالمها خارجية، وهو مسجد أحمد بن طولون فوق جبل يشكر بحي السيدة زينب التابع للمنطقة الجنوبية بالقاهرة، وتعريفا سريعا بأحمد بن طولون هو أبو العباس أحمد بن طولون المولود في عام 835 م ومتوفى في 884 م وتعود أصوله إلى قبيلة تركية كانت تقيم في بخاري. وكان والده ” طولون” – كلمة طولون بالتركية تعني البدر في تمامه – مملوكًا لحاكم بخارى وخراسان، فأرسله هدية إلى الخليفة المأمون – وقت الخلافة العباسية – فأنجب طولون عددًا من الأبناء من بينهم أحمد الذي ولد في بغداد بالعراق من جارية تدعى قاسم، فنشأ مختلفًا عن أقرانه من أولاد العجم، حريصًا على الابتعاد عن جو العبث واللهو والمنكرات، واشتهر بالتقوى والصلاح والشدة والقوة والبأس. أخذ العلم والحديث والآداب عن كبار العلماء، وبدأ بزوغ نجم أحمد بن طولون عندما كان في العشرين من عمره بعد وفاة والده سنة 854م، حيث فوض إليه الخليفة العباسي المتوكل ما كان لأبيه من الأعمال العسكرية، وفي خلافة المعتز دخل ابن طولون مصر نائبا عن واليها التركي سنة 868م، ثم ولّى الخليفة المعتمد ابن طولون حكم مصر، سنة 877م فبدأ مرحلة الاستقلال، وقام بِضرب الدينار الأحمدي رمزًا لهذا الاستقلال، وامتدت حدود دولته من ليبيا إلى حدود الدولة البيزنطية في آسيا الصغرى، ومن نهر الفرات إلى شلال النيل الأول، وتوفي أحمد بن طولون وخلفه على الحكم ابنه خمارويه، ودفن بمدافن الطولونيين بالقرافة الصغرى بسفح المقطم.

أسس أحمد بن طولون مدينة القطائع سنة 870م كي تكون مدينة خاصة به وبحاشيته وجنده، بعد أن ضاقت عليهم الفسطاط، وكرمز لاستقلاله عن الدولة العباسية، وكما كان معهودًا في ذلك الوقت بأن المسجد الجامع هو مركز العواصم الإسلامية، فبدأ تفكير أحمد في بناء مسجد ضخم بحيث لا يتعرض أبدا للغرق كما كان يحدث عند حدوث الفيضانات الكبرى التي تغرق المساجد والمنازل، أو يتعرض للحرق بعد أن شاهد أحمد بعض المساجد التي تعرضت في وقت الجفاف للحرق فتداعى بنيانها؛ ولذا بدأ في البحث بنفسه عن مكان عال يقيم به مسجده، فاصطحب بعض غلمانه في رحلة بحث فوق جبل يشكر – ويشكر المسمى باسمه هذا الجبل هو يشكر بن جديلة من لخم، ويشكر قبيلة من قبائل العرب اختلطت عند الفتح بهذا الجبل فعرف بجبل يشكر لذلك، وكان هذا الجبل قديمًا يشرف على النيل ، وعليه كانت تنصب المجانيق لتجربتها قبل إرسالها إلى الثغور والقتال ليتم الاطمئنان إلى عملها بشكل جيد أثناء المعارك – لما أمعن أحمد بن طولون في صحراء الجبل غاصت قدم فرس أحد غلمانه في الرمال فسقط الغلام، فوقف بن طولون ونظر فوجد فتق مكان قدم الفرس ففتحه فأصاب فيه من المال ما بلغ مقداره ألف ألف دينار، وهو ما سمي “المطلب” الذي شاع خبره، وكتب به إلى الخليفة المعتمد في بغداد يستأذنه فيما يصرفه فيه من وجوه البر، فبنى منه “البيمارستان” أو المستشفى التي لم تعرفها مصر من قبل، ثم أًصاب بعده في الجبل مالًا عظيمًا “لكنز” فبنى منه الجامع، وأوقف جميع ما بقي من المال في الصدقات.

وقد اختلف المؤرخون حول شخصية مهندس المسجد، فرجح بعضهم أنه كان نصرانيًا يدعى سعيد بن كاتب الفرغاني، وأنه كان مهندس لعين ماء طلب بنائها ابن طولون، فلما أتمها دعا ابن طولون لزيارتها ولسوء حظه كان بموضع البناء جيرًا لا زال رطبًا غاصت به قدم فرس ابن طولون فكبا به، فظن أنه أراد به سوءًا، فأمر بجلده وسجنه، وظل بمحبسه حتى أراد ابن طولون بناء الجامع، فقُدر له ثلاثمائة عمود صعب تدبيرها إلا عبر استخدام أعمدة الكنائس والأديرة المتخربة، فتورع ابن طولون عن ذلك، ولما بلغ النصراني في محبسه الخبر كتب لابن طولون أنه يبنيه له كما يحب ويختار بلا أعمدة إلا عمودي القبلة، فأخرجه ابن طولون وأحضر له جلودًا للرسم، فصور له النصراني المسجد فأُعجب به واستحسنه، وأطلق سراحه وخلع عليه ورصد له مائة ألف دينار لنفقة البناء وكل ما يحتاج بعد ذلك، فوضع النصراني يده في البناء في موضع جبل يشكر، فلما أتم البناء وراح ابن طولون لزيارة المسجد، صعد النصراني إلى المنارة صائحًا بابن طولون بطلب الجائزة والأمان خوفًا من أن يجري له ما جرى في المرة الأولى، فأمنه ابن طولون وكافأه بعشرة آلاف دينار وخلع عليه وأجرى له رزقاً واسعاً. أما المجموعة الأخرى من المؤرخين فيرجحون أن المهندس لم يكن نصرانياً بل كان عراقيًا بسبب تأثر مصمم المسجد بتصميم مسجد سامراء بالعراق، وعدم استخدام الأساطين أو الأعمدة الرخامية في البناء بل استُخدم بدلًا من ذلك العقود القائمة على دعائم من الآجر. ورجح بعضهم أن المهندس هو أحمد بن محمد الحاسب الذي قدم من العراق لبناء مقياس النيل الجديد بالروضة.

مسجد أحمد ابن طولون
مسجد أحمد ابن طولون

وآيا كان المهندس الذي بناه فقد أخرج تحفة معمارية نادرة جدا على مساحة كبيرة، حيث تبلغ مساحته مع الزيادات الخارجية حوالي ستة أفدنة ونصف الفدان، وقد بُني على شكل مربع مستلهمًا من طرز المساجد العباسية وخاصة مسجد سامراء بالعراق الذي استلهم منه المنارة الملوية، وبدئ في بناء المسجد سنة 877م وانتهى البناء في سنة 879م، ورصد لبناء المسجد مائة ألف دينار ولكن بلغت تكلفته عند الانتهاء منه مائة وعشرين ألف دينار، وقد استخدم في البناء الطوب الأحمر بصورة جديدة في إنشاء مثل تلك المباني العملاقة التي كانت تعتمد على الحجارة المنقولة من الأبنية القديمة المخربة، وقد أراد المهندس أن يحقق رغبة أحمد بن طولون في ألا يمكن أن يحترق البناء فاستخدم الطوب الأحمر الذي إن تعرض للحرق زاد صلابة وقوة، كما حقق رغبة ابن طولون في ألا يدخل في بناء المساجد أي حجارة مما كانت في الأبنية

 

 

 

 

السابق
التصوير الفوتغرافى بمصر
التالي
شارع محمد علي

اترك تعليقاً