مسجد السيدة نفيسة

مسجد السيدة نفيسة
نفيسة المصريين وسكينة العصاة والطائعين ! وناعية الشافعي له قبل وفاته
كتب د / حربي الخولي
مسجد السيدة نفيسة تحس انك في روضة من رياض الجنة يمكث المصريون ما شاء الله لهم أن يمكثوا في أمن وسكينة لم يعرفوها في مكان غير هذه الروضة، خاصة في يوم الحضرة أو يوم الأحد من كل أسبوع ومن صلاة العصر تحديدا ، فيلاحظ المريد المحب حالة من الخشوع، ويلهج لسانه دون إرادة بالذكر والدعاء، ويتنسم عطر الأحبة، ويحتويه المكان بحنان بالغ، ويشعر بالقرب من الله، ويمتزج فؤاده مع اللون الأخضر الذي يجعله محلقا في الجنة، فيذوب العاصي مع الطائع، وصاحب الحاجة مع الزاهد، والكل يلوذون بمن بيده ملكوت كل شيء، يسألونه بفضل محبته لحفيدة حبيبه أن يستجيب, فلا يرد منهم أحدا وقد خاب مسعاه، فقط أحسن طهارة قلبك, وأخلص النية, وسلم الأمر لمن بيده ملكوت كل شيء، واسجد واقترب. هنا تحنو الجدران العالية على المساكين, وتحمل الأعمدة البيضاء الشاهقة هموم المهمومين, وتبرد على الأرض الرخام أشواق المحبين, فلا يخرج من هنا مريض الروح إلا وقد برأ, ولا يفارق مضطرب القلب موقعه إلا وقد هدأ.
هنا روضة مسجد السيدة نفيسة بنت حسن الأنور بن زيد الأبلج بن الحسن بن على بن أبى طالب رضى الله عنهم أجمعين، والتى اشتهرت بـنفيسة العلم , وأم المساكين لعطفها عليهم, ونفيسة المصريين لتعلقهم الشديد بها, وكريمة الدارين لاتصال نسبها من جهة الأب بالإمام الحسن, ومن جهة الزوج بالإمام الحسين, أو ربما المقصود دار الميلاد مكة ودار النشأة المدينة، والسيدة الشريفة العلوية، والسيدة النقية والعفيفة، والسيدة الساجدة المتبحرة، وأم العواجز كالسيدة زينب رضي الله عنهما . وقد بنى مسجد السيدة نفيسة عام 1314 هجرية، الموافق 1897 ميلادية. مُشرفا باسم السيدة نفيسة التي قدمت إلى مصر سنة 193 هجرية، الموافق 809 ميلادية، وأقامت بها إلى أن توفيت فى سنة 208 هجرية الموافق 824 ميلادية.
ولدت السيدة نفيسة رضى الله عنها فى مكة 11 ربيع الأول 145 هجرية، انتقل بها والدها إلى المدينة المنورة وهى فى الخامسة من عمرها، فكانت تذهب إلى المسجد النبوى وتسمع إلى مشايخه، وتتلقى الحديث والفقه من علمائه، تزوجت بإسحاق المؤتمن بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب، وأنجبت القاسم وأم كلثوم، وفى 26 رمضان 193 هجرية كرم الله أهل مصر بقدوم نفيسة العلم إليها وخرجوا لاستقبالها وأسرتها فى العريش، وما إن استقرت السيدة نفيسة بمصر حتى أصبح بيتها قبلة العلماء والمحبين لآل البيت، وازداد تزاحم الناس على بيتها فخافت أن يشغلها لقاء الناس عن عبادتها فخرجت عليهم قائلة: “كنت قد اعتزمت المقام عندكم، غير أنى امرأة ضعيفة وقد تكاثر الناس حولى فشغلونى عن أورادى وجمع زاد ميعادى، وقد زاد حنينى إلى روضة جدى”، حينها فزع الناس لقولها وناشدوها البقاء حتى تدخل والى مصر ووهبها دارا أكبر لا تضيق بزوارها . وفى يوم من الأيام، شح النيل وجف منسوبه فذهب أهل مصر إلى السيدة نفيسة وقالوا لها إن منسوب النيل قد انخفض، فخلعت نفيسة العلم حجابها وطلبت من أهل مصر أن يلقوا به فى مياه النيل ففاض النيل، ومن هنا زاد تعلق المصريين تعلقا شديدا بالسيدة نفيسة حتى أصبحت “حبيبة المصريين”.
أما عن علاقتها بالإمام الشافعي ومشهد وفاتها ودفنها فلا نجد أصدق من كتاب ” مرشد الزوار إلى قبور الأبرار” لموفق الدين أبو محمد بن عبد الرحمن المتوفى ( 615 ه )، والذي ذكر كل ذلك بدقة متناهية ودون أن يجد معارضا له في كل ما حدث به، حيث قال : ” وحكى صاحب كتاب المشرق فى تاريخ المشرق أنّ «الشافعى» سمع منها الحديث، وقيل إنه كان مع جلالة قدره كان يأتى إليها ويسألها الدعاء.. وسماع الشافعى منها الحديث وكان إذا أتى لزيارتها هو أو صحابه تأدّبوا معها غاية التّأدّب، وكان الشافعى رضى الله عنه إذا مرض يرسل لها – أى السيدة نفيسة رضى الله عنها- إنسانا من تلاميذه كالربيع الجيزى، والربيع المرادى، وغيرهما، فيسلم المرسل عليها ويقول لها: إنّ ابن عمك الشافعى مريض ويسألك الدعاء.. فتدعو له، فلا يرجع له القاصد إلّا وقد عوفى من مرضه.. فلما مرض مرضه الذي مات فيه أرسل لها على جارى العادة يلتمس منها الدعاء.. فقالت للقاصد: «متّعه الله بالنظر إلى وجهه الكريم» .. فجاء القاصد له، فرآه الشافعى فقال: ما قالت لك؟ قال: قالت لى كيت وكيت: فعلم أنه ميت، فأوصى- وسيأتى ذكر وصيته عند ذكر قبره، رضى الله عنه- وأوصى أن تصلّى على جسده، فلما مات فى سنة ٢٠٤ هـ كما هو مشهور، مرّوا به على بيتها، فصلّت عليه مأمومة، وكان الذي صلّى عليه بها إماما أبا يعقوب البويطى، أحد أصحاب الشافعى، رضى الله عنه.. وكان جواز نعش الشافعى رضى الله عنه على بيتها بأمر السّرى الأمير، والله أعلم ذكر ذلك، لأنها سألته فى ذلك إنفاذا لوصية الشافعى، لأنها كانت لا تستطيع الخروج إلى جنازته لضعفها عن الحركة من كثرة العبادة.وقد قال بعض الصالحين ممّن حضر جنازة الإمام الشافعى: سمعت بعد انقضاء الصّلاتين أن الله غفر لكل من صلّى على الشّافعى بالشّافعى.. وغفر للشافعى بصلاة السيدة نفيسة عليه، رضى الله تعالى عنها، ونفع ببركاتها (آمين ).
ذكر وفاتها- رضى الله عنها- وما وقع من الكرامات بعد وفاتها، ولما ذكر آنفا: إنّ السيدة [نفيسة] انتقلت عن المنزل الذي كانت تنزل به إلى دار أبى جعفر خالد ابن هارون السلمى، وهى الدار التى وهبها لها أمير مصر السّرىّ بن الحكم فى خلافة المأمون، وأقامت بهذه الدار إلى حين وفاتها، بعد أن حفرت قبرها بيدها، وقرأت فيه ألفى ختمة، قالت زينب بنت أخيها: تألّمت عمّتى فى أول يوم من رجب، وكتبت إلى زوجها إسحاق المؤتمن كتابا، وكان غائبا بالمدينة، تأمره بالمجىء إليها، وما زالت كذلك إلى أن كان أول جمعة من شهر رمضان زاد بها الألم وهى صائمة، فدخل عليها الأطباء الحذّاق وأشاروا بأسرهم عليها أن تفطر لحفظ القوة، لما رأوا من الضعف الذي أصابها، فقالت: وا عجبا! لى ثلاثون سنة أسأل الله عز وجل أن يتوفّانى وأنا صائمة وأفطر؟! معاذ الله تعالى- ثم أنشدت عند ذلك : اصرفوا عنّى طبيبى … ودعونى وحبيب
ثم إنها بقيت كذلك إلى العشر الأواسط من شهر رمضان، فاشتدّ بها المرض واحتضرت ، فاستفتحت بقراءة سورة الأنعام، فما زالت تقرأ إلى أن وصلت إلى قوله تعالى:.. قُلْ لِلَّهِ، كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ففاضت روحها الكريمة.. وقيل: إنها قرأت: لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ فغشى عليها.. قالت زينب: «فضممتها إلى صدرى، فشهدت شهادة الحق، وقبضت- رضى الله عنها- سنة ٢٠٨ هـ وذلك بعد موت الشافعى بأربع سنين”، وأوصت السيدة [نفيسة] رضى الله عنها ألّا يتولى أمرها غير بعلها- وكان مسافرا كما قدمنا- فلما ماتت قدم فى ذلك اليوم، فلما قدم اجتمعت الناس من البلدان والقرى، وأوقدت الشموع فى تلك الليلة، وسمع البكاء من كل دار بمصر، وهيّأ لها بعلها تابوتا وقال: لا أدفنها إلّا بالبقيع عند جدها..فتعلّق به أهل مصر وسألوه بالله أن يدفنها عندهم، فأبى.
فاجتمعوا وجاءوا إلى أمير البلد وتوسّلوا به إليه ليدفنها عندهم وليرجع عمّا أراده.. فسأله الأمير فى ذلك وقال له: بالله لا تحرمنا مشاهدة قبرها، فإنّا كنّا إذا نزل بنا أمر أتينا إلى دارها وهى حيّة فنسألها الدعاء، فإذا دعت لنا رفع عنا ما نزل بنا، فدعها تكون فى أرضنا، إذا نزل بنا أمر أتينا إلى قبرها، فنسأل الله عنده. فلم يرض ، فجمعوا له مالا كثيرا، وسق بعيره الذي أتى عليه، وسألوه، فأبى، فباتوا منه فى ألم عظيم، وتركوا المال عنده، فلمّا أصبحوا جاءوا إليه فوجدوا منه ما لم يروه من قبل، فإنهم لمّا قدموا أنعم عليهم بدفنها وردّ عليهم المال، فسألوه عن ذلك، فقال لهم: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم فى المنام وقال لى : «ردّ على الناس أموالهم وادفنها عندهم» .. ففرحوا بذلك، وصلّوا على رسول الله صلّى الله عليه وسلم كثيرا. ثم إنه دفنها بمنزلها المذكور آنفا بدرب السباع بين مصر والقاهرة، وكان يوما مشهودا، وازدحمت الناس فيه ازدحاما عظيما، وجعل الناس يأتون إلى قبرها من البلاد البعيدة، ويصلّون عليه، وصلّى عليه جماعة من علماء مصر وعوامها ورؤسائها.. وخرج زوجها رضى الله عند بعد أيّام قلائل ومعه ولداه منها- القاسم وأم كلثوم- إلى المدينة، وماتوا بها، وفيهم خلاف- أعنى الثلاثة- فى دفنهم بالبقيع، وليس فى قبر السيدة [نفيسة] رضى الله عنها خلاف.
انتهى النقل، رضي الله عنها وصل اللهم وسلم وبارك على رسول الله سيدنا محمد وسلم تسليما كثيرا .

