نفيسة البيضا أم المماليك

“نفيسة البيضا” ( أم المماليك) .
بقلم اللواء محمد فوزي.
نفيسة البيضا أم المماليك ذات الحجاب الرفيع والستر الحصين المنيع، الدرة القاهرة المخزونة والجوهرة الزاهرة المكنونة .. الست نفيسة ..
هي الست نفيسة البيضا وقد وصفت بالبيضاء لشدة بياض بشرتها ونضارتها وجمالها الخلاب
، كانت أمرأة فريدة جمعت بين الجمال البارع والذكاء المتوقد ..
هى نفيسة قادن بنت عبد الله البيضاء (أم المماليك) ولدت عام 1743م، كانت من أغنى أغنياء مصر، أتت نفيسة جارية شركسية إلى مصر في بعض سنوات القرن الثاني عشر للهجرة “18م” ،وقد أشتراها رجل مصر القوي آنذاك “علي بك الكبير” كبير طائفة الشراكسة في القوة العسكرية التركية بالقاهرة والذي صار “شيخاً للبلد” ..

أفتتن الشيخ بجمال وثقافة جاريته فقرر أن يعتقها ويتزوجها في وقت كان يسعى فيه للأستقلال بحكم مصر عن الدولة العثمانية، و كاد الرجل يصل لبغيته لولا أن أدركته مؤامرة عثمانية، ألبت عليه صهره وساعده الأيمن محمد بك أبو الذهب الذي قاد تمرداً مملوكياً ضده وهو بجبهات القتال بالشام، ونال جزاء ذلك منصب شيخ البلد ، أصبحت نفيسة البيضا أرملة، لكنها لم تدخل فيما ورثه أبو الذهب عن سيده علي بك، لأنه وافق على أن تكون زوجة للأمير مراد بك نظير مساعدته له للتخلص من زوجها فلما قتل علي بك تزوجها مراد بك وصارت تعرف تبعاً لذلك بنفيسة المرادية.

تعايشت نفيسة مع وضعها الجديد ورضيت بأن تكون زوجة لأمير مملوكي يحكم مصر مناصفة مع قرين آخر هو إبراهيم بك، بعد أن كانت زوجة لرجل يحلم بأن يكون ملكاً متوجاً على مصر وأجزاء من بلاد الشام، ولما كانت وريثة لثروة “علي بك” في زمن ولت فيه الطموحات السياسية، فقد أعادت أستثمار أموالها في التجارة، وصارت واحدة من أثرياء البلاد، ويكفي أنها أمتلكت عدداً من القصور والبيوت و وكالات التجارة، و جيشاً صغيراً مؤلفاً من 400 مملوك، وأسطولاً من السفن على النيل، و56 جارية و أثنين من الخصيان في حاشية نفيسة الخاصة عن عدد كبير من الجواري والخدم في قصرها ..
في تلك الفترة بدأت شخصية نفيسة تفصح عن نفسها كسيدة على إلمام بالثقافة التركية وموحية لزوجها المتغطرس بالتخفيف من سطوته على الناس، و ذاع صيتها بين المصريين عندما شيدت لنفسها وكالة للتجارة
، يجاورها ربع لسكنى فقراء الحرفيين ، و ألحقت بهما سبيلاً للماء يعلوه كُتاب لتعليم الأطفال الأيتام مبادئ القراءة والكتابةوالقرآن الكريم .
ويعد مشروعها المعماري الذي شيد على بعد خطوات من بوابة المتولي أو باب زويلة ، من مشروعات البر والإحسان فإلى جانب إيواء فقراء الحرفيين نظير أجرة شهرية بسيطة كانت إيرادات الوكالة والربع توجه للإنفاق على وظائف التدريس بالكتاب وعلى قيام السبيل بتوفير ماء الشرب للمارة في تلك المنطقة التجارية .


وفي عام 1798م جاءها “بونابرت” من حيث لم تحتسب ليهزم المماليك بقيادة زوجها مراد بك، ويحتل القاهرة وفر مراد نحو الصعيد تاركاً زوجته تواجه سلطات الأحتلال الفرنسي
، ولشخصيتها و لثقافتها حصلت نفيسة زوجة الأمير الطريد على إحترام سلطات الأحتلال الجديدة، وذلك عندما سمحت أولاً بأن يتلقى بعض الجنود الفرنسيين من الجرحى العلاج داخل قصرها الذي ورثته عن علي بك بالأزبكية وكان مواجها لمقر إقامة بونابرت، و حاول بونابرت أن يستميل مراد بك للصلح معه لوقف حشد القوات ضده بالصعيد بحسن معاملة زوجته نفيسة البيضا، وبالغ الرجل في الأمر حتى أنه منحها هدية ثمينة من الحلي، لكن ذلك لم يحقق شيئاً مما كان يطمح إليه الجنرال الفرنسي، بدأ بونابرت بتنفيذ سياسته الأنتقامية بتوجيه تهمة إخفاء ثروات المماليك الفارين للصعيد، وفتش قصرها أكثر من مرة، وصودرت بعض ممتلكاتها، ثم أعقب ذلك بالقبض على حريم أمراء المماليك، مما أضطر نفيسة البيضا لدفع الغرامات التي فرضت عليهن نظير الإفراج عنهن وصيانة كرامتهن وتجاوز ما دفعته المليون فرنك ، و عندما أشتد الطلب عليها رهنت بعضاً من مصاغها ومن ضمنه قطعة الحلي الفرنسية التي أخذها بونابرت وأهداها لعشيقته.
ورغم ذلك ظلت نفيسة البيضا قادرة على رعاية حريم المماليك ، وموضع إحترام سلطات الأحتلال خاصة بعد سفر بونابرت وتولي كليبر قيادة الجيش الفرنسي، وعندما نجح الأخير وربما عبر نفيسة البيضا في إقناع “مراد بك” بالتخلي عن السلاح، ورضي بأن يحكم الصعيد بوصفه نائباً عن الفرنسيس،لكن وهي تتأهب لأستقبال زوجها مراد أتاه وباء الطاعون ليحصد روحه عام 1801م،وفي نفس العام رحل الفرنسيون عن مصر.
تزوجت بعد ذلك من إسماعيل بك أمين أحتساب مصر ولم تعمر معه الكثير قبل أن يتوفى مقتولاً بعد أن وهبها كل ما يملك، وتزوجت من بعده الأمير ذو الفقار أمير لواء الجيش والذى توفى في صراع مع بعض المماليك البحرية، بعد زواجها بعامين ودفن بقبره في مقابر الغفير.
وحين تولى حكم مصر الوالي العثماني أحمد خورشيد باشا عام 1804، أساء إليها إساءاتٍ بالغة، يروى الجبرتى قصة وقعت بعد جلاء الفرنسيين تبين قدرها، قائلاً إن خورشيد باشا والى مصر أمر بإحضارها إلى القلعة و أتهمها بأن لها جارية تسعى إلى الإتفاق مع المماليك العصاة لتحريض الجند على التمرد، فأنكرت هذه التهمة، وطلبت الدليل على ما نسب إلى جاريتها وقالت: إذا ثبت أن جاريتى قالت ذلك فأنا المأخوذة به دونها، فأخرج خورشيد باشا من جيبه ورقة وتظاهر بأنها تثبت ذلك، فطلبت السيدة نفيسة الورقة فأعادها إلى جيبه، فوبخته نفيسة على عمله وقالت له: طول ما عشت بمصر وقدرى معلوم عند الأكابر وخلافهم والسلطان ورجال الدولة وحريمهم يعرفوننى أكثر من معرفتى بك، و مرت بنا دولة الفرنسيين فما رأيت منهم إلا التكريم، وكذلك محمد باشا خسرو، كان يعرفنى ويعرف قدرى ولم نر منه إلا المعروف
، وأما أنت فلم يوافق فعلك أهل دولتك ولا غيرهم، فقال : ونحن أيضا لا نقبل غير المناسب، فقالت له وأى مناسبة فى أخذك لى من بيتى بالوالى «رئيس الشرطة»، مثل أرباب الجرائم، فقال أنا أرسلته لكونه من أكبر أتباعى فإرساله من باب التعظيم، فأعتذر لها وأمرها بالتوجه إلى بيت الشيخ السحيمى بالقلعة، وأجلسوها عنده بجماعة من العسكر «أى جعلوها تحت التحفظ»


