خالد رغدان يكشف كيف يحمي التدخل النفسي المبكر المستقبل الأسري

أكد الأخصائي النفسي خالد رغدان أن التدخل النفسي المبكر يشكل الفارق الجوهري بين تعافي الإنسان من الصعوبات النفسية البسيطة وبين استغراقه في معاناتها التي قد تعيد تشكيل حياته وحياة أسرته بالكامل، موضحا أن معظم المشكلات النفسية التي تصل إلى مراحل متقدمة وتتطلب جهدا علاجيا مكثفا لا تبدأ بالضرورة بانهيار كامل أو اضطراب شديد، بل تنشأ في الغالب على هيئة أعراض أولية بسيطة يستخف بها البعض أو يراهن على زوالها مع مرور الوقت.
وأوضح خالد رغدان، في تصريحات صحفية حول أهمية التوعية بالصحة النفسية وآليات التعامل مع أعراضها الأولى، أن الجملة الأكثر تكرارا داخل العيادات الاستشارية هي: “لو كنا جينا من بدري… كان الموضوع ما وصل للمرحلة دي”، مشيرا إلى أن هذه العبارة تختصر حسرة التأخير وتكشف حجم الأعباء التي كان يمكن تفاديها لو تم طلب الاستشارة في وقتها المناسب.
أعراض مبكرة ودائرة تتسع
وأشار خالد رغدان إلى أن المشكلات النفسية قد تبدأ في مراحلها الأولى بصورة غير لافتة، مثل الاضطراب الخفيف في النوم، القلق المتكرر، العزلة الاجتماعية المؤقتة، أو الحساسية المفرطة تجاه الرفض وفي حالة الأطفال والمراهقين، قد تتجسد المشكلة في نوبات غضب مفاجئة، تراجع دراسي، أو تغير غير مبرر في السلوك اليومي.
وحذر الأخصائي النفسي من خطورة انتظار الأسرة أو الفرد لعل التغيير يحدث تلقائيا، مؤكدا أن الصعوبات النفسية تشبه الدائرة المغلقة التي تتسع باستمرار إذا لم يتم تفكيكها فالقلق تؤثر تبعاته على جودة النوم واضطراب النوم يضعف التركيز والتراجع في التركيز يلقي بظلاله على الأداء الدراسي أو المهني، مما يؤدي إلى التعثر وتراجع تقدير الذات وينتهي بالانسحاب الكامل وزيادة حدة الاضطراب.
استشهد خالد رغدان بتقارير منظمة الصحة العالمية التي تؤكد أن مرحلتي الطفولة والمراهقة تمثلان نافذة استراتيجية لتعزيز الصحة النفسية والتدخل المبكر لمنع تفاقم الاضطرابات المستقبلي.
قراءة المعنى خلف السلوك
وفيما يخص الأطفال، تطرق رغدان إلى نموذج رفض الذهاب إلى المدرسة، موضحا أن رد الفعل الشائع للوالدين قد يتراوح بين اتهام الطفل بالعناد أو العقاب البدني والنفسي إلا أن الدور المحوري للأخصائي النفسي لا يركز على كيفية إجبار الطفل على الطاعة، بل ينصب على البحث في الأسباب العميقة وتفكيك المعنى الثاوي خلف هذا السلوك.
وأضاف: «قد ينجم الخوف من المدرسة عن قلق اجتماعي، تعرض للتنمر، صعوبات تعلم تجعل يومه تجربة متكررة من الإحراج، أو اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، أو حتى ضغوط أسرية تمس شعوره بالأمان»، مشددا على أن التقييم المهني المبكر هو المسار الوحيد لتمييز تلك الاحتمالات وتقديم الحل المناسب لكل حالة وفقاً لمرجعيات وتوصيات الرعاية النفسية والاجتماعية الدولية.
التدخل المبكر ليس علاجات مكثفة
ونفى رغدان المفهوم الخاطئ المتداول بأن طلب الاستشارة المبكرة يستلزم بالضرورة الخضوع لجلسات طويلة أو علاج مكثف، لافتا إلى أن التدخل في البدايات قد لا يتعدى جلسة تقييم، أو تقديم تثقيف نفسي للأسرة، أو تدريب الوالدين على مهارات التكيف، أو حتى إجراء تعديل بسيط في البيئة المحيطة أو نمط التفكير.
وأشار الأخصائي النفسي إلى المراجعات المنهجية والأبحاث الطبية ولا سيما المنشورة في المجلات العلمية المعتمدة (مثل PubMed) والتي أظهرت أن برامج التدخل المبكر في مراحل الاضطرابات الأولى – ومنها الذهان وقلق الشباب – أسهمت بشكل ملموس في تحسين فرص الاستجابة للعلاج وتقليل معدلات الانقطاع عن الرعاية وخفض نسب دخول المستشفيات وتحسين جودة الحياة الاجتماعية والمهنية للمرضى.
محاربة الإفراط في التشخيص
في المقابل، حرص خالد رغدان على التنبيه إلى خطأ شائع آخر يوازي خطر التأخير وهو “الإفراط في التشخيص” ومحاولة إيجاد اضطراب نفسي خلف كل سلوك طبيعي، موضحا أن الحزن العابر ليس اكتئابا والخجل ليس دائما اضطراب قلق والتشتت لا يعني بالضرورة فرط حركة.
وأكد أن الأخصائي النفسي المتمكن لا يفتش عن الأمراض والتشخيصات بقدر ما يسعى لفهم الطبيعي والمرحلي في حياة الإنسان، مميزا بين ما يحتاج إلى علاج نفسي متخصص وما يتطلب إرشادا أو متابعة وما يعد تجربة إنسانية طبيعية تحتاج للاحتواء فقط.
متى يصبح التقييم أمرا عاجلا؟
واختتم الأخصائي النفسي خالد رغدان حديثه بتحديد المؤشرات الحاكمة التي تستوجب عدم الانتظار وزيارة العيادة فورا وهي:
- التغيرات الممتدة: عندما تكون الأعراض مستمرة، متزايدة وتؤثر بوضوح في الحياة اليومية والعلاقات والعمل.
- المؤشرات الحادة: ظهور أفكار انتحارية، إيذاء النفس، فقدان السيطرة السلوكية، أو نوبات هلاوس وأعراض مفاجئة وشديدة.
وشدد الأخصائي النفسي خالد رغدان في نهاية تصريحاته على أن طلب الدعم النفسي المبكر ليس علامة ضعف أو استسلام، بل هو تصرف مسؤول ينم عن وعي شجاع وحماية حقيقية للنفس والمحيطين بها.