شارع أمير الجيوش

الكاتب الصحفى عبدالناصر محمد يكتب :
تخاريف صيام .. حكايات حارتنا ( ١٥ )
حكاية ” أمير الجيوش ” مع ” حمام الملاطيلى ” .. وإللى إختشوا ماتوا !!
شارع أمير الجيوش نحن الآن فى حضرة القائد بدر الجمالى ” أمير الجيوش ” مؤسس القاهرة الثانية فى عهد الخليفة الفاطمى المستنصر بالله والذى جعل من القاهرة مدينة حقيقية ، فقد كانت القاهرة الأولى التى بناها القائد جوهر الصقلى أشبه بقصر أسطورى يخفى الخليفة وخاصته عن الناس.
فى سنة ١٠٧٤ م قام الجمالى بتأسيس هذا الشارع العريق ” أمير الجيوش ” والذى تم تحريف الإسم بين العامة ليطلقوا عليه إسم ” مرجوش ” ، وهو الشارع الذى يبدأ من شارع المعز لدين الله وينتهى فى ميدان باب الشعرية بشارع بورسعيد.
حين تطأ بقدميك هذا الشارع فأنت على موعد مع الضجيج والصخب الذى تتسبب فيه عمليات الطرق والدق المستمرة التى تصدر عن ورش الحدادة وورش تصنيع الأوانى المعدنية المصنوعة من النحاس مثل الحلل والأكواب وقدر الفول وخزانات المياه ومستلزمات محلات الكشرى ، وأيضا العربات النحاسية التى تبيع الحلوى والفول و العصائر وغيرها ، ونظرا لأن النحاس هو سمة هذا الشارع فقد سمّى فى فترة من الزمن بإسم ” شارع النحاسين ” ، والذى قديما كان من الشوارع الراقية بمختلف الحارات المتفرعة منه ولذلك كان يسكنه وجهاء القوم.
فى العقار رقم ٤٠ من شارع أمير الجيوش يوجد أشهر وأبرز الحمامات الشعبية فى مصر وهو ” حمام الملاطيلى ” والذى يحمل إسم فيلم سينمائى شهير للمخرج الكبير صلاح أبو سيف غير أنه لم يتم تصوير مشهد واحد من الفيلم داخل الحمام.
هذا الحمام للنساء من الساعة الثامنة صباحا إلى الخامسة مساءً وللرجال من السابعة مساءً إلى الخامسة صباحا ويملكه حاليا الحاج زينهم أحمد ، ويتمتع بكل صفات الحمامات الحديثة مثل الجاكوزى والساونا ولكن بطرق يدوية بدائية و مازال قائما بالشارع ولكن إسمه هو ” حمام مرجوش ” ، أما إسم الشهرة ” الملاطيلى ” جاء نسبة إلى أحد أشهر العاملين القدامى وهو الحاج إبراهيم الملاطيلى.
ويعد حمام الملاطيلى أو “حمام مرجوش” تحفة تراثية ، تنقل لنا عبق الماضي وروح الحياة الشعبية في مصر القديمة ، وهو جزءاً حياً من التراث المعمارى والثقافى ، حيث يشهد على تاريخ طويل من الاهتمام بالراحة والنظافة والترفيه، ورغم مرور الزمن وتغير أساليب الحياة، إلا أن هذا الحمام يظل شامخاً ليحكي لنا قصة ممتدة عبر الأجيال، تبرز فيها قيم التعاون والمودة بين الناس، وتسلط الضوء على جمال العمارة الإسلامية وعراقة الثقافة الشعبية فى مصر التى كانت جزءاً لا يتجزأ من حياة المصريين فى تلك الحقبة.

ونظراً لأن الحمام من أقدم الحمامات فهناك ربط شعبى بينه وبين المثل الشهير ” إللى إختشوا ماتوا ” والذى يحكى عن حريق شب بأحد الحمامات أثناء فترة السيدات وبعضهن خرجن عاريات أما البعض الآخر رفضن الخروج من الحمام إستحياءً فلقين مصرعهن فخرج هذا المثل الشائع عن هذا الحادث المأساوى غير أنه ليس مؤكدا أن الحمام الذى شهد هذه الواقعة هو حمام الملاطيلى.
دارت حول الشارع مجموعة من الحكايات الأسطورية حيث يُقال أن
العوام كانوا يعتقدون أن من يدخل الحمام فى وقت متأخر من الليل وحده قد يسمع صوتاً يناديه باسمه وهو ما يعرف بإسم ” النداهة ” ، وهى حكايات كانت تستخدم لمنع الناس من البقاء في الأماكن المهجورة ليلاً ، ويُحكى أيضا أن
سكان الشارع قديما كانوا يقومون ببيع الجلود والأخشاب وأن مخازن المنطقة كانت محروسة بـ”رصد” أو أفاعى ضخمة لا تظهر إلا للسارقين ، وهي وسيلة اعتمد عليها التجار قديماً لحماية بضائعهم.
يوجد بالشارع سبيل شهير هو سبيل الشيبى أو الشيبانى ولكنه مهمل تماما ومتهالك ويحتاج إلى ترميم على وجه السرعة ، وكان يوجد به مدرسة الغزنوية التى أنشئت فى القرن السادس الهجرى بناها أحد كبار مماليك الملك الصالح نجم الدين أيوب وهو الأمير حسام الدين قايماز النجمى بإسم الفقيه والمقرىء البغدادى ” أبو الفضل الغزنوى ” والذى مات بالقاهرة ودفن بالمدرسة التى إختفت معالمها الآن ، وكانت تقابلها مدرسة أخرى هى ” المدرسة اليازكوجية ” القديمة التى أنشأها الأمير سيف الدين يازكوج الأسدى مملوك أسد الدين شركوه أحد أمراء السلطان صلاح الدين الأيوبى ، أما الآن فالشارع توجد به ثلاثة مدارس هى رمسيس للغات وأمير الجيوش وباب الشعرية.

