في رحلة الحياة الإنسانية والتفاعل الاجتماعي اليومي، يُعد الاعتراف بالخطأ والقدرة على استقبال النقد البنّاء أحد أبرز المؤشرات والدلائل على النضج النفسي والتوازن العاطفي فالإنسان السوي يدرك تماما أن البشرية مقترنة بالخطأ والتجربة وأن التراجع عن السلوك الخاطئ هو بداية طريق التطور الذاتي.
ولكن على الضفة الأخرى من السلوك البشري، نجد نمطا من الشخصيات يمارس نوعا غريبا من الإصرار على العيش داخل وهم “الكمال المطلق”، نمطا يتكرر منه ارتكاب الأخطاء وهو على علمٍ تامّ بها، لكنه يختار بصورة متكررة أن يرتدي قناع التغافل ومحو الأدلة، وإسقاط الأسباب على المحيطين به.
1. معرفة الخطأ وتجاهله: لعبة الإنكار الذاتي والهروب
تكمن الفجوة النفسية العميقة لدى هذه الشخصية في أنها ليست جاهلة بأخطائها ولا تعاني من نقص في الوعي، بل تعي أفعالها وشذوذ سلوكياتها بشاعةً ووضوحاً. غير أن الاعتراف المباشر بهذا الخطأ بالنسبة لها لا يعني مجرد اعتذار بسيط، بل يعني انهيار الصورة المثالية البرّاقة التي اجتهدت طويلاً لتصنيعها أمام الناس وأمام نفسها.
هنا تتدخل حيلة الإنكار (Denial) كجدار حماية نفسي صلب؛ حيث يتصرف الفرد وكأنه لم يرَ أثر تصرفه الخاطئ ولم يسمع الهمسات المستنكرة، مفضّلاً التظاهر التام بعدم الملاحظة وتجاهل الحقيقة جهاراً على أن يواجه مسؤولية التقصير أو يتخذ خطوة للتراجع وإصلاح ما أفسده.
2. وهم التفوق الزائف: حيلة الإسقاط وتزييف الدوافع
عندما يواجه هذا الشخص انتقاداً صريحاً، أو توجيهاً منطقياً، أو حتى مواجهة حاسمة من المحيطين به، تفشل حيلة التجاهل وحدها في حمايته من الشعور بالتهديد. في هذه اللحظة، ينتقل سريعا إلى خط الدفاع النفسي الثاني: الإسقاط النفسي (Projection) وتغيير الحقائق.
بدلاً من مناقشة جوهر النقد أو التفكير في إصلاح الخطأ، يقوم بعقلنة السلوك من خلال صياغة فكرة مريحة ولطيفة لنرجسيته الجريحة: “إنهم ينتقدونني لأنهم يعجزون عن مجاراتي ويشعرون بالنقص أمامي”.
إن تحويل النقد الموضوعي إلى مجرد “دافع شخصي ومشاعر تربص” يمنح صاحبه شعوراً زائفاً بالراحة والتفوق؛ فالناقد في نظره لم يعد شخصاً يبحث عن الحقيقة أو مصلحة العمل أو المنطق، بل أصبح في مخيلته مجرد انسان يستهدف مكانته. وبذلك المنطق المعكوس، يتحول الخطأ الشخصي المرفوض في لحظة خاطفة إلى دليل ظاهري على التميز والإنجاز!
3. تنقية الواقع: مسح السلبي وإبقاء المديح الزائف
يتجلى هذا الاضطراب بشكل واضح وعملي في سلوكيات “فلترة الواقع”؛ سواء على منصات التواصل الاجتماعي أو في المجالس الخاصة والمواقف الحياتية. حين يرى الشخص التعليقات السلبية، أو الآراء التي تكشف حقيقة أخطائه، يسارع فوراً إلى مسحها وإلغائها وحظر أصحابها، مع الإبقاء فقط على كلمات المديح والثناء والمجاملات الزائفة.
هذا السلوك يجسد في علم النفس مفهوم تأكيد التحيز القائم على الانتقائية (Confirmation Bias)؛ حيث يصنع الفرد لنفسه “بيئة هشة” لا يستمع فيها إلا لصدى صوته، متوهماً أن مسح التعليق أو حذف الرأي الآخر يلغي وجود الخطأ في واقع الأمر. إنه يفضل التغذية على أوهام المديح الكاذب على مواجهة حقيقة النقد المصحح.
4. عقدة الاضطهاد: “أنا الصحيح والجميع يتآمر عليّ”
تتوج هذه المنظومة السلوكية المركبة بظاهرة شائعة وهي عقدة الاضطهاد والتآمر (Paranoia & Victim Mentality). عندما تتزايد الأخطاء ويتفق الجميع من حوله على رفض سلوك معين أو انتقاد تصرف واضح، لا يراجع الشخص نفسه ولا يتردد في موقفه، بل يزداد يقيناً بأنه الاستثناء الوحيد الصحيح في عالم مليء بالأخطاء والجهل.
يفكر العقل غير السوي هنا بطريقة درامية وملفوفة: “إذا اتفق الجميع على انتقادي وتوجيه اللوم لي، فهذا يعني أن هناك مؤامرة منظمة ومحبوكة ضدي”. تتشكل لديه نظرية المؤامرة الكاملة ليحمي بها ما تبقى من كبريائه المترهل، فيرى نفسه الضحية النبيلة المستهدفة وسط جمع من الأعداء والمتربصين.
البناء الهش والتداعيات النفسية
إن هذا المزيج السلوكي الغريب لا يعكس قوة أو ثباتاً ذهنياً كما يحاول صاحبه إظهاره بالتعالي والمدح المستمر لنفسه، بل هو دليل صارخ وشديد الوضوح على هشاشة نفسية بالغة (Fragile Self-Esteem). فالإنسان التلقائي والسوي متصالح مع بشريته ونقاط ضعفه، يعلم أنه يخطئ ويصيب، ولا يضيره أن يتعلم من انتقاد أو يصلح من عيب في سلوكه.
أما الشخصية غير السوية، فتخشى أن يُفتح باب النقد ولو بقيد أنملة، لأنها تعلم ضمنياً في أعماقها أن بنيانها الداخلي قائم على أوهام زجاجية، وأي نقد حقيقي ومواجهة جادة قد تؤدي إلى انهيار تلك الصورة الزائفة بالكامل أمام الجميع.
بقلم:
الكاتبة والإعلامية شيماء النحاس
