حكايات وخواطر
شيماء النحاس تكتب: متاهة التبرير

بقلم:
الكاتبة والإعلامية شيماء النحاس
«الإنسان الذي يرفض الاعتراف بأخطائه، لا يهرب من الناس بل يهرب من نفسه، وحين يُسقط لومه على الآخرين، فهو لا يبحث عن البراءة بقدر ما يبحث عن مأوى لوهمه».
في عالم يتطلب منا جميعًا مواجهة نتائج أفعالنا، يقف نوع خاص من البشر على هامش الحقيقة؛ شخص يتخذ القرارات الخاطئة بانتظام، ويرتكب ذات الحماقات بصورة متكررة، لكنه يُتقن فنًا واحدًا ببراعة استثنائية: لعب دور الضحية وإلقاء اللوم على الآخرين.
تراه يمر من تجربة فاشلة إلى أخرى، ليس لأن الحظ يحاربه كما يدّعي، بل لأنه يملك بوصلة داخلية مغلوطة تقوده دائمًا نحو الاختيار الأسهل لللحظة والأضرّ على المدى البعيد. والغريب ليس في ارتكابه للأخطاء — فالإنسان بطبعه خطّاء — بل في العمي الاختياري الذي يصيبه عقب كل سقوط، فيرفض رؤية أفعاله ويصوب أصابع الاتهام نحو كل من حوله.
دائرة الاختيار الخاطئ وديناميكية السقوط:
يميل هذا النموذج من الشخصيات إلى اتخاذ قراراته بناءً على أمرين: الاندفاع السريع أو الهروب من المواجهة. تجده يختار الشريك الخاطئ، أو الوظيفة غير المناسبة، أو القرارات المالية المتهورة. وعندما تبدأ النتائج الكارثية بالظهور، لا يسأل نفسه: “ما الذي فعلته لأصل إلى هنا؟”، بل يتطلع حوله فورًا ليبحث عن شجاعة يحملها الذنب، أو شخصٍ ينسب إليه سبب الفشل.
إن الاختيار الخاطئ بالنسبة له ليس مجرد زلة عابرة، بل هو منهج مستمر، لأنه يتخذ القرار بناءً على رغبات لحظية أو مشاعر مجردة دون تقييم للعواقب.
آلية الدفاع النفسي: إلقاء اللوم والإسقاط:
عصبيًا ونفسيًا، يُطلق على هذا السلوك “إسقاط اللوم” (Projection). بالنسبة لهذا الشخص، الاعتراف بالخطأ يعني مواجهة حقيقة أن قراراته كانت سيئة، وهذه المواجهة تكسر الصورة الذاتية المثالية التي يرسمها لنفسه.
لكي يحمي كبرياءه الهش، يبدأ في بناء روايته الخاصة:
إذا فشل في عمله، فالسبب هو “غيرة الزملاء” أو “ظلم المدير”.
إذا أخفق في علاقاته، فالسبب هو “عدم فهم الطرف الآخر له” أو “غدر الناس”.
إذا تدهورت حياته، فالظروف والحظ هما المتهمان الأول والأخير.
يعيش هذا الشخص داخل وهم كامل، مُقتنعًا تمامًا بأنه نقيّ، مظلوم، وسوء الحظ هو قدره المحتوم.
الجذور النفسية والتربوية: كيف يُصنع الهروب من المسؤولية؟
هذا السلوك لا يولد مع الإنسان تلقائيًا، بل هو حصيلة تراكمات وتربية تشكّلت خلال سنوات عمره الأولى. فالمبالغة في اتخاذ القرارات المغلوطة مع رفض الاعتراف بالذنب غالبًا ما تعود إلى إحدى البيئات التالية:
التربية الحامية بشكل مفرط (الدلال الزائد): عندما يتربى الطفل في بيئة تسارع دائمًا لحمايته من عواقب أفعاله — كأن تلوم الأم الأرض إذا سقط الطفل، أو يهاجم الأب المعلم إذا أخفق الطفل في الاختبار — ينشأ العقل على قناعة خطيرة: “أنا لا أخطئ أبداً، والآخرون هم دائمًا المتسببون في مشاكلي”. يكبر هذا الطفل وهو يفتقد المهارة الأساسية لمواجهة النتائج.
التربية القاسية والخوف من العقاب: على الجانب الآخر، قد تكون القسوة الشديدة والعقاب الصارم عند ارتكاب الأخطاء سبباً في تطوير حيلة دفاعية لدى الطفل، وهي “الإنكار والإسقاط” للنجاة بنفسه من الأذى النفسي. يتعلم الطفل أن الاعتراف بالخطأ يعني الشعور بالإهانة، فيصبح إلقاء اللوم على الظروف ميكانيزم بقاء يرافقه حتى الكبر.
غياب القدوة الحقيقية: إذا نشأ الطفل في بيت يرى فيه الأب أو الأم يتنصلان دائمًا من مسؤولياتهما ويلومان الناس عند كل تعثر، فإن العقل المبتدئ يمتص هذا النموذج السلوكي ويعتبره الطريقة الطبيعية لمواجهة الحياة.
عقدة “الاستحقاق الزائف” ودور الضحية:
يترافق هذا السلوك عادة مع شعور غير بريء بـ الاستحقاق الزائف؛ حيث يرى الشخص أنه يستحق أفضل المعاملات والنتائج دون أن يبذل الجهد المطلوب أو يتخذ القرارات الصحيحة.
وعندما تصطدم توقعاته بالواقع، يلجأ فورًا إلى “لعب دور الضحية”. إن لعب دور الضحية يوفر له مكاسب نفسية مؤقتة: يمنحه التعاطف من الآخرين، يعفيه من تحمل عواقب أفعاله، ويبرر له الاستمرار في نفس الأخطاء دون شعور بالذنب.
علامات واضحة للشخص المخطئ دائمًا:
تكرار نفس الأخطاء: تجده يقع في نفس الحفرة مراراً وتكراراً دون أن يستفيد من الدروس السابقة.
قاموس الأعذار الجاهز: يملك دائمًا مبررًا قبل أن يسأله أحد، وغالبًا ما تبدأ إجاباته بـ “لكن هم…” أو “الظروف هي التي…”.
الغضب عند المواجهة: إذا حاولت توضيح حقيقة دوره في المشكلة، يتحول فورًا إلى موقف الدفاع أو الهجوم الشخصي عليك.
انعدام الندم الصادق: قد يعتذر شكليًا لتهدئة الموقف، لكنه لا يشعر بندم حقيقي يدق باب التغيير.
الثمن الباهظ للهروب:
المأساة الحقيقية ليست في إلقاء اللوم على الآخرين اليوم، بل فيما يحدث غدًا. فالشخص الذي لا يعترف بأخطائه يُسقط عن نفسه الفرصة الوحيدة للتعلم والنمو. من يرى أن كل مشاكله سببها الآخرون، يسلم مفاتيح حياته لهؤلاء الآخرين؛ لأنه يعتبر نفسه بلا قوة ولا تأثير.
تتكرر الدائرة المغلقة:
قرار خاطئ \leftarrow نتيجة سيئة \leftarrow البحث عن شماعة \leftarrow عدم تعلم الدرس \leftarrow قرار خاطئ جديد.
كيف تتعامل مع هذه الشخصية؟
إذا كان هذا الشخص موجودًا في حياتك، فمن المهم اتباع القواعد التالية لحماية نفسك:
لا تدخل في جدال لإثبات خطئه: سينكر دائمًا وسيتحول الجدال إلى هجوم عليك.
لا تتحمل مسؤولية أخطائه: محاولة “إنقاذه” أو إصلاح نتائج قراراته تزيد من اعتماديته وعدم تحمله للمسؤولية.
ضع حدودًا واضحة: اجعله يواجه العواقب المباشرة لقراراته بنفسه دون أن تدخل كدرع حماية.
هل هناك أمل في التغيير؟
التغيير ممكناً ولكنه مشروط بأمر واحد: الوعي والشجاعة. لكي يخرج هذا الشخص من سجنه، عليه أن يبدأ بـ:
الوقوف أمام المرآة والتوقف عن التبرير.
تدريب النفس على قول: “أنا أخطأت في هذا القرار، وهذه مسؤوليتي”.
فصل فكرة “الخطأ” عن “قيمته الشخصية”؛ فالخطأ سلوك يمكن تعديله وليس وصمة عار.
المحصلة مما سبق
إن الشجاعة الحقيقية لا تكمن في ألا نخطئ، بل في الوقوف بعد كل سقوط والاعتراف بوضوح: “أنا من اخترت، وأنا من أتحمل النتيجة”. وحتى يدرك هذا الشخص هذه الحقيقة، سيبقى أسيراً لقراراته، ودائم الدوران في حلبة مفرغة من الأعذار، يخسر أوقاته والعلاقات من حوله دون أن يدري أن العدو الحقيقي يقبع في داخله.



