محمد سيد ياسين ملك الزجاج المصرى

محمد سيد ياسين….
بقلم : الكاتب محمد فوزى.
محمد سيد ياسين ملك الزجاج المصرى الذى أعطته الدولة 30 جنيه في الشهر مقابل تأميم مصنعه..
في منزل الأب سيد بك محمد ياسين بمدينة الإسكندرية ولد محمد سيد ياسين في نوفمبر عام 1893، و يرجع أصول عائلته إلى صعيد مصر ، تفتحت عين الطفل في أسرة تعمل في الأعمال الحرة فالأب كان مقاولاً أغلب نشاطه في تقوية جسور النيل، مات الأب وترك لإبنه التجارة والمقاولات ومعهما الديون حيث ترك له مجموعة من الديون قدرها 3 ألف جنيه كانت كلها ديون شرف أي ضمانات لأصدقاء تحصلوا علي هذه الأموال بضمان والده، و تهربوا من دفع هذه الإلتزامات وكان هذا المبلغ باهظ بمقاييس هذا الوقت ولكن الإبن محمد سيد ياسين إستطاع سداد تلك الديون.
بدأت قصة كفاحة و هو لا يزال صبياً في 16 من عمرة بعد إنتهاء المدرسة الثانوية،بعد الحرب العالمية الأولى حصل ياسين على عطاء من الجيش الإنجليزى لتصنيع المنتجات الجلدية، فأنشأ ورشة لصناعة الأحزمة، و الألشين للجنود والضباط، والسروج لخيولهم، ولظروف الحرب توقف أستيراد الجلود، و بالتالى توقف عمله، ولأنه كان ملتزما بعمله، عرض عليه المسئول عن المهمات فى الجيش الإنجليزى أن يختار ما يشاء من مخلفات الجيش قبل بيعها فى المزاد، وبالفعل أشترى سيد ياسين هياكل لسيارات كانت تستخدم لنقل الجنود و المهمات أثناء الحرب مقابل 10 جنيهات لكل شاسيه، خطرت لسيد ياسين فكرة تصنيع سيارات لنقل الركاب فى، الشوارع مثل الترام فأستعان بأثنين من النجارين وركب معهم الترام وطلب منهم أن يصنعا فوق هياكل سيارات النقل “دكك خشبية” بمساند للجلوس عليها كما فى الترام وتحولت سيارات اللورى إلى أتوبيسات مفتوحة من الجانبين، ويتم الصعود إليها بواسطة سلم ثم أضاف إليها جوانب من الصفيح، وبذلك يكون سيد ياسين أول من أنشأ اتوبيس لنقل الركاب، حقق المشروع أرباحا كبيرة ،و زاد عدد الأتوبيسات حتي بلغ 100 أتوبيس عام 1930 و كان محمد ياسين يمتلك 3 جراجات بالقاهرة، واحد في الحسين و الثاني بالمقطم و الثالث بالحلمية الجديدة، برغم نجاح المشروع قررت الحكومة أن تسحب جميع رخص الأتوبيسات منه و تمنحها إلى شركة إنجليزية فقام باللجوء إلى كبار المحامين لرفع قضية تعويضات علي الحكومة المصرية، وقرر ياسين مقاضاة الحكومة فقال له محاموه بأن عليه أن يختار بين أن يحصل على تعويض يصل إلى 150 ألف جنيه، بعد عشر سنوات بأنتهاء القضية، و بين أن يحصل على تعويض فورى قيمته 16 ألف جنيه ففضل ياسين التعويض الفوري.
أعتبر سيد ياسين مبلغ التعويض الذى حصل عليه من الحكومة نواة لمشروع جديد على أن يحقق النفع العام، وليس الغرض منه تحقيق أرباح ووقع اختياره على “صناعة الزجاج”.
كانت البداية بإنشاء مصنع زجاج لمبات الجاز وظل لمدة ثلاث سنوات يتكبد خسائر كبيرة بسبب قلة الإنتاج، وتلف الخامات، وجهل العمال بالصنعة، ولكن بدعم وتشجيع الأقتصادى العظيم طلعت حرب تم تطوير هذه الصناعة، فقد تقدم ياسين بطلب الحصول على سلفة قيمتها 80 ألف جنيه من بنك مصر، ولكن إدارة البنك رفضت طلبه، إلى أن علم طلعت حرب فوافق على السلفة وقام بنفسه بمراقبة المشروع ومتابعته وتشجيعه.
من هنا انطلق محمد سيد ياسين لتنفيذ مشروعه الضخم فأنشأ أول مصنع للزجاج المسطح فى الشرق الأوسط.
وقام بزيارة مصانع الزجاج فى ألمانيا وأستعان بمدربين وخبراء من التشيك ليبنى مصنعاً جديداً بأحدث تقنيات صناعة الزجاج فى العالم، ويتطور المصنع ويفى بأحتياجات مصر فى مرحلة البناء والتعمير بعد الحرب العالمية الثانية حتي أصبحت منتجاته موجوده في كل بيوت مصر، ونجح المصنع فى إنتاج أول زجاجة كوكاكولا عام 1946م لينتهى تماما أستيراد زجاجات المياه الغازية الفارغة من الخارج.
كان إنتاج المصنع يتمثل في إنتاج أكواب الشرب، أكواب الشاي و الشربات و لمبات الإنارة بالجاز نمرة 5 و 10 حيث أضاء سيد ياسين جميع محافظات مصر بلمبات الجاز حتي لقب بين أطياف الشعب بلقب “أديسون مصر” و أصبح المصنع (بشبرا الخيمة) صرح من صروح الصناعة يقوم بزيارته أفواج من طلبة المدارس ليتعرفوا علي تلك الصناعة الوطنية التي يفخر بها أي مصري وطني، مع توالي الأعوام اصبح سيد ياسين من أفضل رجال الأعمال في مصر و أطلقت عليه الصحافة لقب “ملك الزجاج في مصر” حتي أصبح رئيس الغرفة التجارية في مصر و بعد ثورة 1952 ساهم في تدعيم النواحي الإجتماعيه في مصر من خلال التبرعات في فترات الحروب مثل الوقوف في وجه إستغلال التجار لظروف حرب العدوان الثلاثي عام 1956 كما قام بدعم الشباب.
بعد قيام ثورة 1952 و رفع شعار القضاء علي سيطرة رأس المال علي الحكم، تعايش سيد ياسين مع الوضع السياسي بسلام حتي تم تأميم مصانع سيد ياسين بالقانون رقم 118 لسنة 1961 و تحول الي مصنع قطاع عام تحت أسم “شركة النصر للزجاج و البللور”، فبذلك ضاع ختم ياسين الشهير الذي كان موجود أسفل الأكواب و أنتهي الجزء اليدوي في الصنعة (قانون 117 لسنه 1961 قام بتأميم 51 مصنع و شركة ليس فقط في الإقليم الجنوبي -مصر- و لكن أيضا في الإقليم الشمالي -سوريا- و توالت القوانين 118 و 129 لسنه 1961 التي دمرت الصناعة و الإنتاج المصري).
أنكسر ملك الزجاج في مصر و أخذ يشكو حزنه الي الله (كما فعل الكثير من رجال أعمال مصر)، حيث تم تعويضه بسندات لا تزيد قيمتها عن 15 الف جنية و لا يتجاوز عائدها الشهري عن مبلغ 30 جنية كان يصرفها علي علاجه.
قام محمد سيد ياسين بإنشاء مدفن له و لعائلته عام 1956 و توفي بعد تأميمه بعشر سنوات غريبا عن وطنه في إنجلترا يوم الخميس 25 فبراير عام 1971 عن عمر يناهز 78 عام، و دفن في مدفنه بعد أسبوع يوم الخميس 4 مارس عام 1971م.
هكذا رحل رائد صناعة الزجاج في هدوء،اللهم أغفر له وأرحمه وأسكنه فسيح جناتك يارب العالمين.



