حكايات وخواطر

سيكولوجية الحزن الساكت

بقلم: شيماء النحاس
​ليست كل الخسارات تُقابل ببرقيات العزاء ولا كل الأحزان تُفتح لها سرادقات المواساة فهناك نمط من الألم النفسي يمرّ في صمت تام، حيث ينكسر القلب دون أن يسمع أحد صوت انكساره ويخوض الإنسان تجربة الفقد بمفرده لأن المحيطين به لا يطالعون في خسارته سببًا كافيًا للحزن.
في علم النفس، يُطلق على هذا النوع اسم “الحداد المحروم من الاعتراف المجتمعي” (Disfranchised Grief) وهو الحزن الذي يُعاش في الخفاء لأن قواعد المجتمع غير المكتوبة تراها خسارة “غير مشروعة” أو غير ذات أهمية.
​تضع المجتمعات أطرًا محددة للمواضيع التي يُسمح لنا بالحزن عليها؛ كوفاة أحد أقارب الدرجة الأولى، أو الخسارات المادية الجسيمة. لكن الواقع الإنساني أكثر تركيبًا من هذه الأطر الضيقة. يظهر “الحداد الساكت” في صور متعددة تُغفلها العيون:
​إنهاء الصداقات الطويلة: إن الفقد الناجم عن انقطاع خيط صداقة استمرت لسنوات لا يقل عمقًا عن الانفصال العاطفي، لكنه نادرًا ما يتلقى الدعم النفسي الكافي، بل يُقابل بعبارات من قبيل: “إنها مجرد صديقة، الأيام كفيلة بالبديل”.
​خيبة الأمل في العلاقات الأسرية: التخلي العاطفي أو الاضطرار لقطع الصلة بأحد أفراد العائلة للنجاة بالنفس يخلق حزنًا مزدوجًا؛ حزن على الفقد ذاته، وحزن على الصورة الذهنية للعائلة التي لم تحقق الأمان المطلوب.
​فقدان الفرص والأحلام: إجهاض مشروع استُثمرت فيه سنوات من العمر، أو فقدان شغف قديم، أو التخلي عن حلم طفولي؛ خسارات حقيقية تمسّ جوهر الهوية الذاتية.
​عندما يتعرض الإنسان لخسارة لا يعترف بها الآخرون، يُمارَس عليه نوع من “التكذيب العاطفي” (Emotional Invalidation) يبدأ هذا التكذيب من الخارج عندما يسمع عبارات مثل: “الموضوع لا يستحق” أو “أنت تبالغ”، لكنه سرعان ما ينتقل إلى الداخل.
يتحول هذا الحزن المكتوم إلى صوت داخلي يمارس الجلد واللوم: “لماذا أحزن على أمر بسيط كهذا؟” هذا الإسكات القسري للمشاعر يحرم النفس من المرور بمراحل الحداد الطبيعية، مما يؤدي إلى احتباس الألم النفسي وتحوله إلى قلق مزمن، شعور بالخزي والعزلة وصعوبة متزايدة في التكيف ومواصلة الحياة لأن الجرح المفتوح الذي لم يُعترف به يظل ينزف تحت السطح.
​إن الشفاء من “الحداد الساكت” لا يتطلب موافقة المجتمع على مشروعية ألمك، بل يبدأ من إعطاء نفسك الحق الكامل في الحزن عبر ثلاث خطوات:
​إضفاء المشروعية على المشاعر (Self-Validation): تقبّل أن حجم ألمك يُقاس بأهمية الخسارة بالنسبة لك أنت وليس بتقييم الآخرين لها إذا كان الأمر يوجعك، فهو مستحق للحزن دون خجل.
​إيجاد مساحة آمنة للتعبير: ممارسة الكتابة التفريغية، أو التحدث مع مختص نفسي أو شخص يمتلك قدرًا عاليًا من التعاطف غير المشروط؛ حيث يمكن وضع أبعاد هذه الخسارة تحت الضوء دون خوف من الأحكام.
​صياغة طقوس خاصة للفقد: في غياب الطقوس المجتمعية، يمكنك ابتكار طقسك الخاص لتوديع المرحلة أو الفكرة أو العلاقة والانتقال بعدها خطوة إلى الأمام.
​إن ممارسة الإنسانية الحقيقية تتطلب منا توسيع مداركنا لنفهم أن الألم لا يخضع لمعايير نمطية والاعتراف بالحزن الساكت ليس ضعفًا، بل هو أول طريق لاستعادة البوصلة الداخلية والتصالح مع حقيقة أن كل خسارة تمس أرواحنا هي خسارة حقيقية تستحق أن نمنحها حقها من التعبير والتعافي.
​ويرى عالم النفس كينيث دوكا (Kenneth Doka)—الذي وضع مفهوم الحداد المحروم مجتمعيًا—أن حرمان الفرد من ممارسة حزنه يعطل عملية التكيف النفسي ويجعله يعيش في حالة استنزاف مستمرة.
كما يؤكد ويليام ووردن (J. William Worden) في نموذجه لمهام الحداد، أن قبول واقع الخسارة وتفريغ الشحنة العاطفية المرافقة لها هما خطوتان أساسيتان لا يمكن تجاوزهما للوصول إلى التوازن النفسي مجددا.
السابق
الملحن أمير علي يعود للساحة الفنية بـ”الفرعون المصري” و”بتمثل”

اترك تعليقاً