صحة و جمال

خالد رغدان يكتب: روشتة نفسية سريعة

ليس كل إنسان متعب يحتاج إلى تغيير حياته، أحيانا يحتاج فقط إلى أن يتوقف قليلاً عن استنزاف نفسه، نستيقظ أحيانا ونحن نشعر بثقل لا نعرف مصدره وننام وعقولنا مزدحمة بأفكار لم تجد طريقها إلى الحل، نبتسم أمام الآخرين، نؤدي أعمالنا، نمارس حياتنا بصورة طبيعية، بينما في الداخل شيء ما يصرخ طلبا للراحة.
والأخطر أن كثيرا من الناس اعتادوا هذا الشعور حتى أصبح التعب النفسي بالنسبة إليهم جزءا طبيعيا من الحياة، لكن النفس مثل الجسد، ترسل إشارات عندما تتجاوز قدرتها على الاحتمال، لذلك إليك روشتة نفسية سريعة، ليست علاجا سحريا وإنما مجموعة من الخطوات البسيطة التي قد تساعدك على استعادة شيء من التوازن النفسي.
أولاً: سمي ما يؤلمك
لا تقل فقط: «أنا متعب»، اسأل نفسك: ممَّ أنا متعب هل هو الخوف؟ الحزن؟ الوحدة؟ الإحباط؟ الخذلان؟الضغط المستمر؟ صراع داخل علاقة؟ أم أشياء كثيرة تراكمت حتى لم تعد تعرف أيها يؤلمك أكثر؟.
في علم النفس يُعرف هذا بـ تسمية المشاعر (Emotional Labeling)، أي تحويل الشعور الغامض إلى شيء يمكن فهمه والتعامل معه، فما تستطيع تسميته، تستطيع أن تبدأ في التعامل معه.
ثانياً: لا تحاول حل حياتك كلها في يوم واحد
عندما يكون الإنسان تحت ضغط شديد، تبدو جميع مشكلاته وكأنها تحدث في اللحظة نفسها، اكتب مشكلاتك في ثلاث مجموعات:
ما أستطيع تغييره الآن.
ما يحتاج إلى وقت.
ما لا أملك السيطرة عليه.
ثم ابدأ بالأولى، هذه الخطوة البسيطة تساعد على استعادة ما يسمى الإحساس بالسيطرة (Sense of Control)، لأن جزءاً كبيراً من المعاناة النفسية لا يأتي من المشكلة وحدها، بل من الشعور بأن الحياة أصبحت أكبر من قدرتنا على التعامل معها.
ثالثاً: توقف عن معاملة نفسك كعدو
من الغريب أن الإنسان قد يكون رحيما جدا مع الآخرين وقاسيا جدا مع نفسه، إذا أخطأ صديق، قال له: «لا بأس، كل إنسان يخطئ»، أما إذا أخطأ هو، فقد يبدأ في جلد نفسه: «أنا فاشل… أنا لا أستطيع… أنا دائماً أخطئ».
النقد الذاتي المستمر (Self-Criticism) لا يجعل الإنسان أفضل بالضرورة، بل قد يزيد شعوره بالعجز والإحباط، بدلا من أن تسأل: «لماذا أنا هكذا؟» اسأل:
«ماذا يمكنني أن أتعلم مما حدث؟» فالخطأ يمكن أن يتحول من محكمة إلى درس.
رابعاً: حرّك جسدك عندما يرهقك عقلك
النشاط البدني ليس مجرد وسيلة للحفاظ على صحة الجسد، بل يرتبط أيضاً بالصحة النفسية وتنظيم التوتر، المشي، الحركة، النوم المنتظم، والتنفس الهادئ… أشياء بسيطة، لكنها قد تكون ذات أثر كبير عندما تصبح جزءاً من روتين الحياة وفي بعض الأحيان، لا يحتاج العقل المرهق إلى مزيد من التفكير، يحتاج منك أن تغلق الهاتف وتنهض وتمشي قليلا.
خامساً: لا تجعل عزلتك علاجك الوحيد
عندما نتألم، نميل أحيانا إلى الابتعاد عن الجميع وقد تكون العزلة لفترة قصيرة مفيدة لاستعادة الهدوء، لكنها تصبح مشكلة عندما تتحول إلى أسلوب دائم في مواجهة الألم تحدث مع شخص تثق به ليس مطلوبا أن تشرح كل شيء.
يمكن أن تقول ببساطة: «أنا أمر بفترة صعبة، وأحتاج فقط إلى أن أتحدث معك» فالدعم الاجتماعي من العوامل المهمة في القدرة على مواجهة الضغوط والأزمات.
سادساً: تعلّم أن تضع مسافة بينك وبين ما يستنزفك
ليست كل معركة تستحق أن تخوضها وليس كل شخص يستحق أن تشرح له نفسك وليس كل نقاش يحتاج إلى رد أحيانا تكون الخطوة الأكثر صحة نفسياً هي أن تقلل ما يستنزفك: خفف متابعة الأخبار إذا كانت تزيد قلقك، ابتعد عن المقارنات المستمرة، قلل الاحتكاك بالعلاقات المؤذية، لا تجعل إرضاء الجميع مسؤوليتك، حماية سلامك النفسي ليست أنانية.
سابعاً: امنح عقلك دقائق من الصمت
نحن نعيش في عالم لا يمنح العقل فرصة كافية للهدوء، هاتف، أخبار، رسائل، مواقع التواصل، مقاطع قصيرة، ومئات الأفكار التي تتدفق على مدار اليوم، لذلك امنح نفسك دقائق قليلة دون شاشة.
اجلس بهدوء، ركز على تنفسك، لاحظ جسدك وانتبه لما يحدث حولك دون أن تحاول تحليل كل شيء، هذه إحدى مهارات التأريض النفسي (Grounding)، التي تساعد على إعادة الانتباه إلى اللحظة الحالية بدلاً من الغرق المستمر في الماضي أو المستقبل.
وأخيرا… لا تنتظر الانهيار حتى تطلب المساعدة
الاهتمام بالصحة النفسية لا يبدأ عندما يفقد الإنسان قدرته على العمل، يمكن أن تطلب المساعدة وأنت ما زلت قادرا على الابتسام والعمل والقيام بواجباتك فالعلاج النفسي ليس فقط لمن «انهار»، وإنما يمكن أن يكون وسيلة للفهم والوقاية واستعادة التوازن.
وإذا استمر الحزن أو القلق لفترة طويلة، أو بدأ يؤثر بوضوح في النوم أو العمل أو العلاقات، أو ظهرت أفكار بإيذاء النفس أو فقدان الرغبة في الحياة، فهنا لا تكفي النصائح العامة؛ بل ينبغي طلب تقييم ومساعدة متخصصة، طلب المساعدة ليس علامة ضعف، أحيانا يكون أقوى قرار يمكن أن تتخذه من أجل نفسك.
روشتتك اليوم: سمِّ ما يؤلمك، رتّب ما تستطيع تغييره، تقبّل ما لا تستطيع السيطرة عليه، تحرك، نم جيدا، تحدث مع من تثق به، ضع حدودا لما يستنزفك ولا تنتظر حتى تنكسر لتبدأ في الاهتمام بنفسك فأحيانا لا تحتاج النفس إلى أن تتغير حياتها كلها، تحتاج فقط إلى أن تتوقف عن إيذاء نفسها وهي تحاول النجاة.

بقلم: خالد رغدان أخصائي نفسي
ومختص في علاج الإدمان مستشفى السلاح الطبي 
قسم علاج الإدمان

Mohamed Elsayed

كاتب محتوى رقمي ومتخصص في تحسين محركات البحث (SEO) شغوف بتبسيط المواضيع التقنية وصناعة محتوى قيمي في المجالات الخدمية والمنوعات، أركز على تقديم معلومات تتصدر نتائج البحث، للتواصل مع الكاتب عبر تليجرام: https://t.me/elsyedm

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى