عالم وأديبعام
أخر الأخبار

أحلام ميت

أحلام ميت

 

بقلم القاص والكاتب الصحفي/محمد جمال المغربي

أحلام ميت

بعد يومٍ عصيبٍ فقدت فيه أعز صديق, انتابني حزنٌ دفينٌ, فلم يقو قلبي على

فراقه, فبعد انتهاء مراسم العزاء, رجعت إلى بيتي, وعزلت نفسي في غرفتي لعلي

اهرب من حزني, وتمددت على فراشي وأغمضت عيناي..كان نوماً عميقاً لم يعكر صفوه غير ضجيج أبنائى, وصوت زوجتي يوبخهم.

كان رأسي ثقيلاً لكني تحاملت على نفسي وخرجت أنادي على زوجتي حتى جف

حلقي فلم ترد..!! اقتربت منها غاضباً, فوجدتها بجوار ابني, فكررت النداء عليهما فلم يعراني إهتماماً ولو بنظرة ..ماذا يحدث هنا!؟

بدا غضبي ينضج.. بل يحترق وقبل أن أبدأ فى معاتبتها, سمعت زوجتي تطلب من

ولدي أن يوقظني من النوم, أصابتني دهشةٌ بالغةٌ, فأنا أمامها وفي مرمى بصرها ألم تسمعني!؟أم أصابها العمى أيضًا!!

لمحت ابني يتجه نحو غرفتي, وبعد فتحه الباب وجدته يحاول إيقاظَ رجلٍ ينام

في فراشي, ثم خرج الولد مذعوراً يستنجد بأمه قائلًا: حاولت مراراً إيقاظ أبي ولم

يستجب!! اسرعت زوجتي إلى الداخل تحاول إفاقة هذا الرجل فلم تفلح, تعالت

صيحات زوجتي بالبكاء وماهي إلا لحظات وقد امتلأ البيت بأقاربي, وعمَّ النحيبٌ المكان.

حاولت مراراً إقناع زوجتي وأقاربي بأني على قيد الحياة, وأن من في الغرفة ليس

أنا, لكن هيهات ….هيهات.. فلم ينتبهوا لوجودي بينهم أصلاً, تركتهم وتسللت

لغرفتي لكي أرى من هذا الكائن الذي احتل فراشي وتسبب فى هذا الجو الكئيب,

فوجدت رجلًا يشبهني كثيرًا, لكنّ ملامحه تبدو شاحبةً, خرجت من الغرفة مسرعاً فاصطدمت بزوجتي..

لم يكن اصطداماً.. فقد اخترقت جسدها كطيفٍ من الهواء ولم تشعر بي, وكأني صرتٌ شبحًا.

بدأت التحضيرات لمراسم الجنازة, و تابعت عن كثبٍ كيف غسّلوا هذا الكائن الذي

يشبهني , وكيف حملوا جثمانه في التابوت على الأعناق, إلى أن ادخلوه قبرًا مظلمًا,

ثم أغلقوا علينا بابه, فأصابني خوفٌ و رعبٌ شديدٌ, وحاولت الهرب, إلا أن غريمي المقبور قد استوقفني قائلاً:
ـ لن تستطيع الهرب!!
ـ من أنت؟؟؟

ـ أنا هو أنت …فأنا جسدك وأنت روحها..عشنا عمرنا سوياً, وحان الآن موعد الفراق

يا صديقي, فأنا ذاهبٌ إلى التراب لا أبالي.. والآن جاء دورك كي تعاني..لقد زال

الشك وحصحص الحق… إنه اليقين الذى كنت دومًا تتجاهله, فهل أنت مستعٌد للحساب الآن؟؟

ـ لكن أنا لست مستعدًا للحساب الآن, فلا زالت لدي حسابات لم أغلقها بعد.. وديون

لم أقضها بعد.. فضلًا عن ذنوبٍ لم أتب عنها بعد و…

ـ لقد انتهى وقت الامتحان وحان وقت الحساب وانتهى دورى وجاء دورك.

ـ انتظر ولا تنهي الحوار متعجلًا .. ولنستكمل حديثنا و..
اللعنة لقد انتهى الحوار بيننا..

ولم يعد طيفي قادراً على الخروج من هذا اللحد اللعين, كما كان سابقاً.

عم السكون المكان برهة من الزمن حتى سمعت أصوات أقدامٍ تزلزل المكان .. من يا ترى!!؟

رباه…!! الرحمة يا ارحم الراحمين..
رب انظرني أعمل صالحًا ..

لم أتلق جوابًا سوى صمٍت يحمل في طياته رفضًا لدعوتي, ولا يزال حالي هكذا

حتى اصابتني رعشة قوية في جسدي..!! نعم إنه جسدي, ففتحت عيناي متوجسًا

خيفة المواجهة, فإذا بابنتي الصغيرة تبتسم في وجهي قائلة:

كفاك نومًا يا أبي لقد انتظرتك كثيرًا لكي نلعب سوياً.

تحجرت الكلمات في حلقي, وانسابت الدموع في وجهي, وغرق جسدي في عرقي,

ثم تلفت يمينًا ويسارًا, واعتدلت واقفًا أستجمع قواي الخائرة, لكي احمل وأقّبل صغيرتي… فهي دنيتي التى عدت إليها مجددًا.
تمت

 

 

#بقلم القاص والكاتب الصحفي/محمد جمال المغربي
#مجلة زهوة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى