نعود… فنفقد الطريق إلينا

نعود… فنفقد الطريق إلينا
بقلم /نورهان فؤاد

نعودفنفقد الطريق إلينا نحن لا نغادر الأوطان لأننا نكرهها، بل لأننا نبحث عن مساحة أوسع لأنفسنا؛ مساحة لا تختنق فيها أرواحنا تحت سقف التوقعات، ولا تُختزل فيها هويتنا في اسم العائلة أو الحي. نسافر لنرى العالم، نعم… لكننا في الحقيقة نهرب من النسخة القديمة التي صاغها لنا الوطن، تلك النسخة التي لم تعد تشبهنا. غير أن المأساة الحقيقية لا تبدأ مع الرحيل، بل مع العودة؛ تلك اللحظة الثقيلة التي تكتشف فيها أن الطريق إلى البيت لم يعد يقودك إليه، وأنك، رغم كل الحنين، أصبحت غريبًا كامل الأهلية في المكان الذي كان يومًا امتدادًا لروحك. البيت ما زال قائمًا، الشوارع تحفظ ملامحك، والأبواب تعرف اسمك، لكن الشعور ذاته قد تبخر، كأن أحدهم نزعه منك بصمت وتركك تتفقد فراغه.
الوطن في ذاكرتنا لا يكبر؛ يبقى صورة ثابتة، لقطة لا تتغير، بينما نحن في الغربة نتحول إلى حكايات طويلة، إلى أفلام ممتدة مليئة بالتجارب والانكسارات والاكتشافات. ننمو بصمت، نعيد تشكيل أنفسنا، نتعلم أن نعيش بلا شبكة الأمان القديمة، في حين يظل الوطن داخلنا كما تركناه، ساكنًا ينتظر نسخة لم تعد موجودة. وحين نعود، لا نصطدم بالمكان بقدر ما نصطدم بأنفسنا؛ نكتشف أننا فقدنا لغة الصمت التي كانت تربطنا بالآخرين، وأن التفاصيل التي كانت بديهية أصبحت غامضة، كأننا نزور حياة كنا نظن يومًا أنها حياتنا. يتحول الوطن، بكل ما فيه، إلى مكان حميم لكنه مؤقت، نزوره بشوق ونغادره بارتباك لا نجد له اسمًا.
هناك، بعيدًا، حيث تبدأ الغربة، لا نشتري خبزنا فقط، بل نعيد شراء ذواتنا من البداية. نبني أنفسنا دون وساطات، دون تاريخ عائلي يبرر أخطاءنا أو مجتمع يخفف عنا ثقل قراراتنا. نتحرر من رقابة الآخرين لنقف وجهًا لوجه أمام رقابة الضمير، ونغرس جذورنا في أماكن لم تخترنا لكننا اخترناها. تلك الجذور قد تكون باردة، قاسية، لكنها حقيقية، لأنها نبتت من تعبنا نحن، لا من إرثٍ سبقنا. هناك فقط نفهم أن الانتماء ليس صك ملكية، بل تجربة عميقة من الصمود، وأن الإنسان لا يُعرَّف حيث وُلد، بل حيث قرر أن يواجه نفسه.
وعندما نعود، نحمل معنا هذا التحول، فنبدو في عيون الآخرين وكأننا شيء غير مألوف، كأن في داخلنا خيانة صغيرة لا يمكن تسميتها. نحن لا نخون، لكننا لم نعد كما كنا، وهذه وحدها كافية لتربك كل شيء. حين نمدح النظام أو نحترم الخصوصية أو نطالب بأبسط حقوق الفرد، يُساء فهمنا، لا لأننا نبالغ، بل لأننا نتحدث بلغة اكتسبناها خارج السياق القديم. الحقيقة أننا لا نمدح مكانًا بقدر ما نتمسك بالإنسان الذي أصبحنا عليه هناك. الغربة لا تؤلم لأنها تبعدنا عن الآخرين، بل لأنها تغيّرنا إلى درجة تجعل العودة مستحيلة بالشكل القديم؛ تجعلنا غير قابلين لأن نُحشر مجددًا في القوالب التي خرجنا منها.
ومع هذا التحول، يتغير الوطن في داخلنا دون أن نشعر. لم يعد مجرد جغرافيا أو ذاكرة، بل أصبح حالة نحملها معنا، مساحة آمنة تتشكل في أعماقنا أينما ذهبنا. نكتشف أن مدنًا لا تعرف أسماء أجدادنا قد تعرف أحلامنا أكثر، وأن أماكن لم تشهد طفولتنا قد تحتضن نضجنا، وتمنحنا حق الخطأ دون خوف أو محاكمة. وهنا تكمن المفارقة القاسية: نحن لا نفقد الوطن، بل نتجاوزه، لا لأننا أقل وفاءً، بل لأننا أصبحنا أوسع من حدوده الأولى.
العودة، في جوهرها، ليست نهاية الرحلة، بل لحظة اختبار صامتة: هل نرتدي القميص القديم رغم ضيقه، أم نعترف بأننا لم نعد نلائمه؟ أن تكون غريبًا في وطنك ليس هزيمة، بل وعي موجع بأنك لم تعد ابن الصدفة الجغرافية، بل ابن التجربة التي أعادت تشكيلك. نحن لا نغترب عن أوطاننا بقدر ما نغترب عنها لنفهم، أخيرًا، أن الوطن الحقيقي ليس مكانًا نعود إليه… بل إنسانًا نصبحه.
