بقلم: شيماء النحاس
ليست كل الجراح تُرى بالعين، فبعضها يتشكل في أعماق النفس منذ الطفولة، داخل أكثر العلاقات قربًا وتأثيرًا فالأم هي المدرسة الأولى للحب والأمان، لكن عندما تطغى الرغبة في السيطرة والبحث عن الإعجاب على مشاعر الاحتواء، قد تنشأ علاقة تترك آثارًا نفسية عميقة في الأبناء تمتد لسنوات. في هذا المقال نسلط الضوء على سمات “الأم النرجسية” وانعكاسها على الأبناء، مع التأكيد أن وجود بعض هذه الصفات لا يعني تشخيص اضطراب، فالتشخيص يبقى مسؤولية المختصين.
الأمومة إلى مسرح للسيطرة
تُحاط الأمومة دائمًا بهالة من القدسية، وهو ما يجعل الحديث عن أثرها السلبي موضوعًا شائكًا لكن الواقع النفسي يشير إلى أن الأمومة ليست حائلًا دون الاضطرابات الشخصية، وعلى رأسها النرجسية. فالأم النرجسية لا ترى أطفالها ككيانات مستقلة، بل كـ “امتداد” لها أو أدوات لتحقيق أهدافها.
كيف تتشكّل ملامح الأم النرجسية؟
تتميز الشخصية النرجسية بالرغبة في الإعجاب الدائم وافتقار التعاطف. وحين تجتمع مع سلطة الأمومة تظهر 4 ملامح أساسية:
1. الاهتمام بالظاهر وسحق الجوهر: صورة عائلة برّاقة أمام المجتمع، بينما يغيب الدفء والاحتواء داخل البيت.
2. الابتزاز العاطفي ودور الضحية: استخدام الشعور بالذنب للسيطرة أي استقلال يُترجم فورًا على أنه “عقوق” أو “قلة تقدير”.
3. تبادل الأدوار واستنزاف الأبناء: تتوقع منهم أن يكونوا مصدر الدعم النفسي لها، فتستنزف طاقاتهم وتسلبهم طفولتهم.
4. التفرقة والمقارنة: تخلق بيئة تنافسية. “الطفل الذهبي” يحقق طموحاتها و”كبش الفداء” يتحمل كل اللوم.
الأثر النفسي الممتد على الأبناء
النشأة في ظل أم نرجسية لا تنتهي بالبلوغ، بل تترك ظلالًا على النضج:
1. صوت داخلي قسري: ينتقل نقد الأم ليصبح الصوت الداخلي للابن، فيولد شعور دائم بعدم الاستحقاق.
2. صعوبة وضع الحدود: صعوبة في قول “لا” خوفًا من الرفض أو الهجر.
3. عقدة الذنب المزمنة: شعور مستمر بمسؤولية سعادة الآخرين على حساب النفس.
رحلة التعافي ووضع الحدود
إدراك المشكلة هو نصف الطريق للشفاء. والتعافي لا يعني قطع العلاقات، بل إعادة رسم الخريطة العاطفية:
1. فك الارتباط العاطفي: التوقف عن التفاعل مع الاستفزاز، وإبقاء الحوار سطحيًا للحفاظ على السلام.
2. ترسيم الحدود النفسية: تحديد ما يُقبل وما لا يُقبل، والالتزام به دون تبريرات طويلة.
3. التقبل والحداد: تقبل أن الآخر لن يتغير، والبدء في منح النفس الرعاية والدعم الذي حُرمت منه.
إن فتح ملف “الأمومة النرجسية” ليس هجومًا على الأمهات، بل خطوة لكسر دوائر الأذى الممتدة بين الأجيال، ومنح الأبناء مساحة ليعيشوا حقيقتهم دون خوف أو ذنب.
ويرى علماء النفس أن الأمومة لا تُقاس بالرعاية المادية، بل بالقدرة على منح الأمان والقبول غير المشروط. يشير أوتو كيرنبرغ إلى أن النرجسية تُضعف التعاطف، ويؤكد هاينز كوهوت أن احتواء الطفل والإنصات لمشاعره أساس النمو السليم وترى راماني دورفاسولا أن الطفل الذي ينشأ في بيئة “حب مشروط” يحمل آثارها حتى يكبر، ما لم يجد الدعم الذي يساعده على التعافي.
