بقلم: الكاتبة والاعلامية شيماء النحاس
في دراما العلاقات الإنسانية، ثمة نمط حاد ومدمّر من السلوكيات يترك خلفه أثراً عميقاً من التفكك والجراح النفسية؛ نمط تتجسد فيه الأنانية في أعتى صورها عندما تتمركز المرأة حول ذاتها بالكامل، فتسعى حثيثاً وبأي ثمن لإشباع رغبتها القاطعة في الحصول على الإعجاب. في هذه الحالة، يتراجع كل شيء إلى المرتبة الثانية؛ فلا صوت يعلو فوق صوت “الأنا”، ولا اعتبار لأعراف المجتمع، بل وحتى حماية أطفالها واحتياجاتهم العاطفية تذوب أمام شغفها القهري بأن يُقال عنها دائماً: “مذهله “.
في علم النفس، يُطلق على هذه الشخصية اسم “النرجسية الظاهرة” (Overt Narcissistic Female)؛ وهي حالة يعيش فيها الفرد تحت وطأة هوس المظهر والصورة الذهنية الجذابة لدى الآخرين، تكمن القسوة الحقيقية في هذا النمط في انعدام التعاطف التام، حيث لا ترى المحيطين بها -بمن فيهم أقرب الناس إليها- ككيانات مستقلة لها مشاعر أو حقوق، بل تُعاملهم مجرد “أدوات مسرحية” أو خلفية سريالية تُبرز بريقها الخاص وتخدم جوعها النرجسي للثناء.
تضع هذه الشخصية معاييرها الخاصة لما تسميه “التحقق”، فتسعى لإشباع رغباتها متجاهلة كل الخطوط الحمراء والأخلاقية ويظهر هذا السلوك السام في صور متعددة تُغفلها العيون:
دهس حقوق الأبناء والعائلة: ألا تضع أي اعتبار للمشاعر النفسية لأطفالها أو أسرتها؛ فتستعد لتخطي حدودهم والتضحية بأمانهم العاطفي أو الاستقراري، إذا كان الثمن هو نظرة إعجاب من شخص غريب أو إشادة لحظية بمظهرها أو نجاحها الظاهري.
التنصل التام من المسؤولية: التملص من أي التزام أخلاقي أو أسري نحو أطفالها أو بيتها عندما يتعارض مع رغباتها الشخصية، مع اعتبار أن مطالباتهم البديهية بالرعاية هي مجرد “قيود” تعطل انطلاقها وامتيازاتها.
تغليب الإعجاب اللحظي على القيم: الاستعداد التام لكسر القواعد الاجتماعية وصناعة دراما مفتعلة، طالما أن النتيجة هي تسليط الأضواء عليها وإشعال عبارات الثناء والتفخيم لذاتها.
صناعة صورة هشة براقة: التركيز القهري على القشور والمظهر الخارجي، وخلق حالة زنيفة من المثالية أمام الغرباء، في مقابل جفاف عاطفي وخراب داخلي يعيشه من يشاركونها سقف بيت واحد.
عندما يتعرض المحيطون بها لهذه الديناميكية، يُمارَس عليهم نوع من “التهميش العاطفي الحاد” (Emotional Marginalization). يبدأ هذا التهميش عندما يشعر الأبناء أو الأقارب بأن وجودهم لا قيمة له إلا بمقدار ما يخدمون هذه الصورة المسرحية، وسرعان ما يتحول هذا التهميش إلى جرح عميق في الهوية الذاتية وصعوبة متزايدة في الشعور بالأمان، لأن الركن الذي يفترض فيه الحنان والاحتواء -وهو الأمومة والبيت- أصبح هو المصدر الأول للاستنزاف والتهميش.
إن الفهم النفسي لهذه الظاهرة يؤكد أن هذا الجري القهري خلف عبارات الثناء وعدم عمل حساب لأي شخص ليس دليلاً على قوة الشخصية أو استقلاليتها كما تتوهم، بل هو غطاء لثقب لا يمتلئ من الفراغ الداخلي والشعور بالدونيه المبطنة:
إدراك طبيعة الاضطراب: فهم أن دهس حقوق الآخرين نابع من اضطراب عميق في تقدير الذات يستوجب التغذية النرجسية المستمرة من الخارج للبقاء على قيد الحياة نفسياً.
حماية الأبناء والمحيطين: العمل على تقديم الدعم النفسي البديل للأطفال لوقايتهم من آليات الجفاء والتهميش التي يمارسها هذا النمط، وحمايتهم من الشعور بأنهم بلا قيمة.
وضع حدود صلبة (Establishing Firm Boundaries): التعامل بصرامة وحزم مع شطحات هذا النمط، ورفض مسايرتها في السلوكيات التي تضر بالآخرين لمجرد إرضاء غرورها.
إن ممارسة الإنسانية الحقيقية تتطلب من الإنسان -والأم تحديداً- تجاوز نرجسية الذات نحو تقديم العطاء الصادق والرعاية الحقيقية والاعتقاد بأن البريق الخارجي وإبهار الغرباء يغنيان عن الدفء والأمان الداخلي هو وهم كبير؛ فـ “الواجب” الحقيقي والإنجاز الخالد لا يُقاس بثناء الغرباء اللحظي، بل بالأثر الطيب والسكينة والحماية التي نمنحها لمن نعيش معهم وتحت مسؤوليتنا.
ويرى عالم النفس أوتو كيرنبرج (Otto Kernberg) -المتخصص في دراسة الاضطرابات النرجسية- أن النرجسية المرضية تجعل صاحبها عاجزاً عن الاستثمار العاطفي في أي شخص آخر غير ذاته، مما يجعله يدهس أي علاقة لحماية تقديره الضعيف لذاته.
كما يؤكد كريغ مالكين (Craig Malkin) في تحليله للنرجسية، أن فقدان القدرة على التعاطف والتغاضي عن مشاعر الأبناء هو العرض الأكثر إيلاماً وتدميراً للبنية الأسرية، حيث يتحول الأبناء في هذه البيئة إلى مجرد ضحايا لرغبة الأم في الوصول للكمال الظاهري.
