بقلم: د. حربي الخولي
في مشهد محزن مأساوي شهده المصريون بالصوت والصورة، احترقت أسرة كاملة داخل شقة سكنية بأبراج المحمودية بمنطقة العمرانية بمحافظة الجيزة، نتيجة اندلاع حريق هائل ناتج عن ماس كهربائي بجهاز التكييف؛ لتحاصر النار الأسرة وينتهي الأمر برحيل الجدة وابنتها وحفيدها وحفيدتها، وإصابة طفلة قريبة لهم بإصابات خطيرة.
وتبدأ الحكاية من قرار الابنة “سارة حسن بيومي” أن تصطحب طفلها “مصعب رضا” وطفلتها “حفصة” وابنة قريبتها “مليكة” – كما حكى شقيق سارة – لزيارة أمها “سحر الإسكافي” بشقتها بالعمرانية” تلك الشقة التي تقطنها الجدة وابن شقيقتها الشاب الذي يعمل بالقاهرة؛ لذا كان يقيم لدى خالته منذ عام تقريبا؛ وقد سعدت الجدة بابنتها وأحفادها، وأمضوا ساعات من البهجة والسرور امتدت لوقت من الليل، ثم هجع كل منهم للنوم، فأخذت الجدة حفيدها مصعب لينام معها في غرفتها، وبالغرفة الثانية كانت الابنة وابنتها حفصة وابنة قريبتها مليكة، وبالغرفة الثالثة ينام الشاب دون أن يعلم الجميع بخطوط الكارثة والطامة الكبرى.
وفي الساعة السابعة استيقظ الشاب على رائحة شياط قوية جدا، فخرج للصالة ليجد جهاز التكييف يخرج شرارا مع رائحة الشياط الشديدة، وهنا هرع مستنجدا بالجيران ليساعدوه قبل أن ينفجر التكييف، ولم يخطر بباله أن يوقظ النائمين ليخرجهم من الخطر المحدق بهم، ولم يبد الجيران أي مساعدة، وبعضهم أغلق الباب في وجهه، وفجأة سمع صوت انفجار التكييف صوتا راعدا عنيفا جدا، وعندما عاد إليهم وجد النار تسد عليه طريق الدخول والدخان الكثيف يملأ المكان.
واستيقظ النائمون فوجدوا النيران تغلق عليهم باب الخروج وتحاصرهم، فلم يجدوا سبيلا سوى اللجوء للبلكونات، ووقفوا يستنجدون بالناس من الأسفل الذين كان كل واحد منهم يجتهد اجتهادا شديدا في إنقاذ تلك الأسرة البائسة، بأن يخرج محموله ليصورهم لعله يحقق ترند على السوشيال مديا، واكتفى الرجال ! الواقفون بالتصوير ومصمصة الشفاة ، وترديد ” لا حول ولا قوة إلا بالله” مع كلمات ماذا نفعل لهم ؟ الله معهم ، وكل ذلك والتصوير للفوز بالسبق والترند لا يتوقف، والنار تزداد وتنطلق لالتهم الأجسام البريئة، وظلت الجدة والأم تستغيثان بالرجال ! ليصنعوا شيئا مفيدا بدلا من الاكتفاء بالتصوير، لكن الرجال ! لا يأبهون لكل تلك الصرخات، وينتظرون أن تحضر المطافئ لتقوم بالواجب، والنيران تسارعت، وبعدما فقدت الأم الأمل طلبت من الطفلتين حفصة ومليكة أن تقفزا قد تكون لهما فرصة للنجاة، وبالطبع لم يفكر الرجال ! المصورون أن يحضروا مراتب أو أي شيء ممكن أن يتحمل قفز هؤلاء.
ولم يفكر الرجال ! أن يصعدوا للشقة – والنار لم تخرج خارجها – ليحاولوا أن ينقذوهن ولو عن طريق مد حبل نجاة لهم من الدور الأعلى، أو حبل نجاة لينزلوا به للدور الأسفل، أو أي محاولة تدل على أنهم رجال ! لكن الرجال ! يكتفون بالترند، فهو الأبقى لهم والأشهر، وقد يحقق عائدا ماديا ويتم استضافتهم على أنهم من صور الواقعة والمأساة، فلا تهم الأرواح إنما المهم الترند، ولن يكون هناك ترند دون أروح تهلك.
وبعدما طلبت الأم من الطفلتين القفز نفذت الطفلة مليكة وقفزت لتسقط على كومة من القمامة لتنجوا بإصابات بالغة، وما زالت تتلقى العلاج، أما الطفلة حفصة فعندما حاولت ان تقفز علقت بين سور البلكونة ووحدة التكييف فامتدت النار إليها لتحرقها أمام أعين الرجال ! وعندما رأت الأم ذلك حاولت أن تصل للابنة فاحترقت وسقطت، وعندما شاهدت الجدة والتي كانت تعاني من السرطان كل ذلك وعاينت أنه لا نجاة من الكارثة استسلمت المسكينة لقدرها وضمت حفيدها لصدرها حتى أتت عليها النيران لتذهب وحفيدها لخالقهما يشكوان مما حدث لهما وأسرتهما ومن هؤلاء الرجال.
ولو كان الأمر بيدي لحاكمت هؤلاء المصورون الرجال ! الذين لم تظهر منهم أي شهامة أو نخوة، ولم يتحرك منهم أحد لمجرد محاولة الإنقاذ، فهم قتلة بالسلبية واللامبالاة واقتناص الترند فقط ، والتفنن في إظهار الطفلة الصغيرة وهي تحترق وتسقط، تلك التي كانت منذ ساعات تلهو وتلعب وتمشط شعرها وتتناول الحلوى بسعادة، وتقبِّل جدتها وأمها، وتضحك ضحكات البراءة، وتُقبِل على إجازة الدراسة بسعادة غامرة، وأمها تحلم لها بمستقبل مشرق وغد أفضل، وتطلب من والدتها أن تدعو الله لها ولشقيقها بالنجاح والتوفيق في الحياة.
فالمصورون القتلة تسعدهم هذه اللقطة وهي تحترق؛ لأن اللقطة ستجعلهم يحصلون على الترند، قبحهم الله وأخزاهم في الدنيا والآخرة، ولو كان هذا الأمر حدث في قرية من قرى مصر أو أي مكان أخر حيث الشهامة والأصول، ويتوافر فيه رجال بحق لوجدت الناس كلها تهرع للمساعدة والمساندة ، وكأن من تحاصره النار أهله وأحبائه . رحم الله هؤلاء الشهداء وأسكنهم فسيح جناته.

