حكايات وخواطر

يا رايحين الغوريه.. هاتو لحبيبي هدية

الغوريه
بقلم: د. حربي الخولي
نتجه إلى حي من أحياء مصر العريقة أسس منذ أكثر من 500 عام وهو حي الغورية، الذي زادت من شهرته في الوطن العربي أغنية محمد قنديل من كلمات محمد علي أحمد، وألحان كمال الطويل وهي أغنية ” يا رايحين الغوريه ” التي تقول كلماتها :” يا رايحين الغوريه يا رايحين الغورية .. هاتو لحبيبي هدية … هاتو له توب بالقصب يليق على رسمه .. انقش عليه العجب .. واكتب عليه اسمه … والطرحة ويا الشال .. وإسورة وخلخال … نقوا وشوروا عليا.. يا رايحين الغورية “.
يقع هذا الحي في منطقة الجمالية فى القاهرة الفاطمية، ويحده شارع الجمالية الذي يحتضن في طرفه الجامع الأزهر ويفصله عن ضريح سيدنا الحسين والسوق ومنطقة خان الخليلي، وكان يسمى قديما حي (الشرابشيين)( ورد في كتاب الخطط المقريزية تعريف لمعنى الشرابشيين حيث قال : وأما الخلع فإن السلطان كان إذا أمّر أحدًا من الأتراك ألبسه الشربوش – وهو ما حرف للطربوش بعد ذلك – وهو شيء يشبه التاج كأنه شكل مثلث يجعل على الرأس بغير عمامة ويلبس معه على قدر رتبته إمّا ثوب بخ أو طرد وحش أو غيره فعُرف هذا السوق بالشرابشيين نسبة إلى الشرابيش المذكورة ) وكانت به دكاكين لصناعة وخياطة الملابس السلطانية وكان أشهر الأماكن لشراء الهدايا من الأقمشة الجيدة.
وقد تم إنشاء ذلك الحي في عهد السلطان أبو النصر قانصوه الغوري الشركسي أخر سلاطين دولة المماليك ( 1250-1517م)، وكان الغوري يحب الطرب ويبدع الشعر، وكان يلبس أفخر الديباج ويشد فوقها في وسطه حزاما من الذهب، ويتحلى بالخواتم الثمينة ويشرب بطاسة من ذهب خالص، وكان مولعا بالعطور والطيب، واهتم كثيرا بغرس الأشجار والعناية بالرياحين في حدائق قصوره .
وكان مولعا بجمع التحف الثمينة وأضطره ولعه الى جلب التحف التي كانت مودعه في خزائن الحجاز من موروث الإسلام الأول، ومنها مقتنيات الرسول الكريم والصحابة التي صادرها بعدئذ الغزاة الأتراك العثمانيون، وكذلك نسخة المصحف الملطخة بدماء الخليفة عثمان بن عفان، وكلمة “غورى” تركية وهي تعني لغويا غير المسلم وتختص أحيانا بمعنى “الكافر” تحديدا، ويمكن أن تكون محرفة منها، ومازال أهل الجزائر والمغرب يطلقون على كل الأوربيين أسم “غوري”.
لا يوجد توثيق وافي لسيرة زوجة قانصوه الغوري إلا في كتاب واحد هو «بدائع الزهور في وقائع الدهور» للمؤرخ بن إياس عبر 8 أسطر بالجزء الخامس صفحتي 27 و 28 حيث كتب عنها يوم موتها في 22 إبريل عام 1516 م، الموافق 19 ربيع الأول عام 922 هجري. يشير بن إياس إلى أن زوجة قانصوه الغوري ماتت موتة طبيعية حيث يقول «توفيت خوند جان سكر الجركسية مستولدة السلطان وأم ولده».
ويتيح بن إياس الفرق بين الغوري وزوجته حيث يذكر أن قانصوه كان شديدا خشنا رغم ما فيه من خير، على عكس زوجته التي يقول عنها «كانت جنازتها حفلة (أي حافلة) وكثر عليها الأسف والحزن من الناس، فقد كانت خيرة ديِّنَة (متدينة) قليلة الأذى».
اتسمت زوجة قانصوه الغوري بحبها للحج وبالتالي كان يوم جنازتها مشهودًا وغريبًا في نفس ذات الوقت، فالجميع شارك في تشييعها من القضاة والأمراء وغيرهم، لكن في نفس الوقت قبل أن تدفن نُهِبَت الأموال التي أوقفتها للفقراء حيث لم تُوزع كما حددت.
وخرج جثمان زوجة قانصوه الغوري من القلعة حيث قبرها في مدرسة زوجها بالغورية، ولم يدخل جثمانها من باب زويلة وإنما من ناحية خوخة أيدغمش (الخوخة باب صغير)، ومدخل خوخة أيدغمش حاليًا في حارة الروم من جهة شارع الدرب الأحمر.
وبعد ثلاثة أشهر من وفاة زوجة الغوري جاء استشهاده على يد الغزاة العثمانيين في معركة مرج دابق يوم الأحد 25 رجب سنة 922 هجري الموافق 24 أغسطس سنة 1516 وبدأت بتقدم أصلان بن بادق نائب حمص مع عدد من الجنود صوب العثمانية، فأوقع منهم القتلى ليتقدم بعده الأمير سيباي نائب الشام، وبعده سودون العجمي، وجانبلاط وعلان دودار، وتنمر الزردكاش وبخشباي وأنس باي، وقانصوت كرت، وتاني الخازندار، وتاني النجمي، وبيبرس بن عمر الغوري، وخاير برك وجان بردي وتمراز.
وكان هجومًا كاسحًا يصفه أحمد بن زنبل الرمال في مخطوطه بقوله :”حملوا حملة واحدة وصادموا الروم (يقصد العثمانية) ومالة في القتال ولم نرى في التواريخ القديمة والحديثة وقعة مثل هذه”.
قابل العثمانية هجوم المماليك أولاً بالفرسان فقُتِل الآلاف من العثمانيين الأكثر عددًا، ليأمر سليم الأول بضرب المدافع والبنادق فصارت الصحراء كالمجزرة من الرمال، حتى أمر خاير بك وجان بردي بالانسحاب قائلين «الفرار الفرار فإن السلطان سليم أحاط بكم وقتل الغوري». لم يكن الغوري قد قُتِل فصاح بصوته «يا أغوات الشجاعة، اصبروا ساعة» فلم يستمع له أحدًا حتى من جلبانه، ليغضب سودون العجمي ويقول له «أين جلباءك، أين خاصيتك، هكذا عملت بنا ولا زلت قائمًا في حظ نفسك حتى أهلكتها ونحن معها ولكن القيامة تجمع بيننا ليحكم الله بالعدل».
بقي من جيش المماليك بعد ضرب المدافع 100 فارس ولم يتحمل قانصوه الغوري هول المنظر فسقط مغشيًا عليه وفارق الحياة، ليقوم قائده علان بقطع رأسه قائلاً «إن العدو سيأخذون رأسه ويطوفون بها جميع بلاد الروم» فقطع رأسه ودفنها وبقيت الجثة بلا رأس.
وتضم الغورية كذلك مجمعا ضخما للآثار الإسلامية من العصر الفاطمي والأيوبي والمملوكي، وفيها كتب الأديب الراحل نجيب محفوظ ثلاثيته الشهيرة : ” قصر الشوق ،السكرية ، بين القصرين”.
كذلك فيها العديد من الوكالات التجارية التي اصبحت الآن مباني آثريه فقط وطبعا من أهم الوكالات في المنطقة هي وكالة الغوري التي ما تزال تحتفظ بطابعها المعماري الأصلي، وهي عبارة عن صحن كبير وحوله محلات متراصة في أربعة طوابق كانت مخصصة لاستقبال التجار ببضائعهم، وكان بها مكان للدواب ومخازن للمحاصيل وأماكن لمبيت التجار الوافدين.
وسبيل الغوري من أبرز ما تتميز به مجموعة السلطان الغورى نظراً لكونه سبيلاً ذا طراز محلى يضم ثلاث شبابيك للتسبيل تطل جميعها على كل من شارع الأزهر وشارع المعز لدين الله وكانت هذه المنطقة تمثل قلب القاهرة الفاطمية ومركز تجارتها.
حي الغوريه
حي الغوريه
السابق
مميزات تطبيق Google Finance لأجهزة أندرويد

اترك تعليقاً