حكايات وخواطر

يوسف زيدان و”الفيل”

يوسف زيدان والفيل
بقلم: د. حربي الخولي
خرج على الناس الدكتور يوسف زيدان الكاتب وذكر أن قصة أبرهة الأشرم والذي جاء بالفيل من الحبشة ليهدم الكعبة قصة غير صحيحة وقال نصا : ” وهب بن منبه – وهو يهودي الأصل – روى لنا قصة أبرهة الأشرم الذي جاء بالفيل من الحبشة لهدم الكعبة، وهذا غير معقول؛ فأبرهة كان مسيحيًا والإسلام لم يظهر بعد، فلماذا يهدم كعبة قريش؟ والكعبة الرئيسية كانت في الطائف، فلماذا يتجه إلى مكة؟ ” .
والرد على يوسف وأمثاله ممن يدعون العقلانية والحياد في هذا الأمر سيكون بالعقلانية نفسها، فلن نؤكد أن ما جاء بالقرآن الكريم هو الحق عينه والصواب ذاته وما خالفه هو الباطل والضلال؛ لأن القرآن الكريم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ لأننا لو ذكرنا ذلك فلن يعترف به من لا يعترفون بمصداقية القرآن الكريم ذاته ولا حتى بنبوة الرسول صلى الله عليه وسلم ويلجئون ليل نهار لتشكيك الناس في دينهم وصرفهم عن عقيدتهم وإغوائهم تنفيذا لأمر سيدهم الأعظم الذي أقسم لرب العزة : ” قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ (83) ” .
فبداية هل يوجد لدى العرب قبل الإسلام ما يشير إلى فيل أو حادثة كبرى كان فيها فيل ؟ والإجابة أوضح من الشمس في كبد السماء، فبالفعل هناك لدى العرب عام يسمى بعام الفيل، حيث أجمعت المصادر التاريخية المبكرة على أن العرب قبل الإسلام لم يكونوا يمتلكون تقويماً موحداً يبدأ من حدث تاريخي محدد، بل كانوا يؤرخون بالوقائع الكبرى، مثل حرب الفجار أو بناء الكعبة أو عام الفيل؛ ومما ورد من الشعر الجاهلي في ذكر ذلك الفيل قال ابن هشام أبو قيس : صيفي بن الأسلت بن جشم بن وائل بن زيد بن قيس بن عامرة بن مرة بن مالك بن الأوس :
ومن صنعه يوم فيل الحوش إذ كلما بعثوه رزم
محاجنهم تحت أقرابه وقد شرموا أنفه فانخرم
وقد جعلوا سوطه مغولا إذا يمموه قفاه كلم
وقال ابن هشام : في أبيات تروى لأمية بن أبي الصلت بن أبي ربيعة الثقفي :
إن آيات ربنا ثاقبات لا يماري فيهن إلا الكفور
حبس الفيل بالمغمس حتى ظل يحبو كأنه معقور
وقد حظي عام الفيل بمكانة خاصة لأنه ارتبط بمولد النبي ﷺ، ووردت روايات كثيرة في كتب التاريخ ولا علاقة لها بوهب بن منبه وهي مدققة ومحققة تاريخيا وعن بعض المعاصرين تشير إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم وُلِد في عام الفيل، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “وُلِد النبيُّ عام الفيل”، وعن قيس بن مخرمة قال: «وُلِدْتُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفِيلِ، فَنَحْنُ لِدَانِ، وُلِدْنَا مَوْلِدًا وَاحِدًا».
وعنه أيضًا قال: ولد رسول الله عام الفيل وبين الفجار وبين الفيل عشرون سنة، وعن أبي الحويرث قال: سمعت عبد الملك بن مروان يقول للقباث بن أشيم: يا قباث أنت أكبر أم رسول الله؟ فقال: بل رسول الله أكبر مني وأنا أسنُّ منه؛ وُلِد رسول الله عام الفيل وتنبَّأ على رأس الأربعين من الفيل”. وعَنْ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ، قالت: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَضَّلَ اللهُ قُرَيْشًا بِسَبْعِ خِصَالٍ لَمْ يُعْطَهَا أَحَدٌ قَبْلَهُمْ، وَلَا يُعْطَاهَا أَحَدٌ بَعْدَهُمْ: فَضَّلَ اللهُ قُرَيْشًا أَنِّي مِنْهُمْ فَإِنَّ النُّبُوَّةَ فِيهِمْ، وَإِنَّ الْحِجابَةَ فِيهِمْ، وَإِنَّ السِّقَايَةَ فِيهِمْ، ونَصَرَهُمْ عَلَى الْفِيلِ، وعَبَدُوا اللهَ عَشْرَ سِنِينَ لَا يَعْبُدُهُ غَيْرُهُمْ، وَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِمْ سُورَةً مِنَ الْقُرْآنِ لَمْ تَنْزِلْ فِي أَحَدٍ غَيْرِهِمْ» .
وروى البخاري عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مكة قَامَ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ..» . وروى البخاري أيضًا عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ أن ناقة الرسول صلى الله عليه وسلم بَرَكَتْ بِهِ قبل مكة في رحلة الحديبية، “فَقَالَ النَّاسُ: حَلْ حَلْ، فَأَلَحَّتْ. فَقَالُوا: “خَلَأَتْ الْقَصْوَاءُ خَلَأَتْ الْقَصْوَاءُ” فَقَالَ النَّبِيُّ: «مَا خَلَأَتْ الْقَصْوَاءُ وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا»، ثُمَّ زَجَرَهَا فَوَثَبَتْ “.
إذا فالعرب جميعا تعلم عن حادثة الفيل وما تم منه، والدليل ما تم ذكره عن الفيل من الرسول صلى الله عليه وسلم فلم يعارضه أحد، ولم يقل أحد مثلا : ما ذاك الفيل الذي حبس ؟ وما الفيل الذي حبس عن مكة ؟ كما أن سورة الفيل نزلت بمكة بعد حادثة الفيل بسنوات ليست طويلة بما يؤكد وجود من شهد هذه الحادثة؛ لذا لم يعرض أحد من الكفار أمر السورة، ويقول لم يحدث ذلك ولم نر فيلا مثلا، وكانوا حريصين على معارضة الرسول الكريم ومناهضة دينه بكل الطرق والسبل.
فعدم معارضتهم تلك السورة وهي قد نزلت توضح نعم الله عليهم، وأنه دمر أصحاب الفيل حتى يجعل حياتهم آمنة، وقد أرسل على أصحاب الفيل الطير القاذفة، وكل هذه المعلومات لم يعرضها أحد من الكفار، ويقول : إنها لم تحدث، وهم المعاصرون للحادثة، وقد تناقلوها بالتواتر، وعارضها يوسف زيدان بعد ألف وأربعمائة وثمانية وأربعين عاما!! ليقول: إنها لم تحدث، فمن نصدق إذا بالمقاييس العقلية فقط ؟!
أما إن “أبرهة” كان قديسا مسيحيا حبشيا، لم يذهب إلى مكة، ولا يمكن للفيل أن يسير من اليمن إلى مكة، والقصة كلها إسرائيلية وتشير إلى سفر المكابيين وهو من أسفار العهد القديم غير القانونية. فهذا مردود عليه – ولن نذكر أن وضوح كذب يوسف زيدان واختلاقه في عدم وجود فيل يكفي لعدم الرد عليه في باقي الافتراءات – وذلك بالأدلة المادية الحسية، مراعين أن القرآن الكريم لم يذكر اسم أبرهة أو يشير لمن قاد الحملة؛ لأنه يريد العظة ولا يريد التاريخ.
فنجد نقوشا ظهرت في القرن العشرين لها مصداقيتها العالمية لأن الذي اكتشفها بعثات عالمية موثقة، فهناك نقش مأرب الكبير (CIH 541) ونقش مريغان (Ry 506)، أثبتت تاريخياً وجود أبرهة وحملاته العسكرية في الجزيرة العربية خلال منتصف القرن السادس الميلادي. ويرى عدد من المؤرخين المعاصرين، ومنهم: الفرنسي كريستيان روبن Christian Julien Robin والامريكي روبرت هويلاندRobert G. Hoyland، أن الأدلة النقشية المتاحة تسمح بتأريخ نشاط أبرهة في النصف الأوسط من القرن السادس الميلادي.
والدراسات الحديثة للنقوش اليمنية الجنوبية، وبخاصة تلك التي تعود إلى القرن السادس الميلادي، فيتشكل ملف أبرهة بن الصباح بوصفه أحد أهم الملفات التاريخية التي تسمح بإعادة بناء صورة سياسية وعسكرية متماسكة عن جنوب الجزيرة العربية قبيل الإسلام. ويمكن إدراج نقش مريغان (Murayghān / Mriġān in-script-ion) ضمن سياق نقوش أبرهة والحملات في شمال الجزيرة العربية بوصفه أحد النصوص المهمة التي توسّع فهمنا لطبيعة الحركة العسكرية والدينية في أواخر القرن السادس الميلادي.
وتُظهر النقوش المنسوبة إلى أبرهة، ولا سيما النقش الكبير المعروف بـ CIH 541 المؤرخ عادةً إلى سنة 548 ميلادية، أن هذا الحاكم لم يكن مجرد والٍ تابع للحبشة، بل كان ملكاً فعلياً يمتلك جهازاً إدارياً وعسكرياً واسعاً. وتكشف النقوش من منطقة حِمى في شمال الحجاز عن امتداد هذه التحركات العسكرية نحو طرق القوافل، حيث لم يكن الهدف مجرد التوسع الإقليمي، بل السيطرة على خطوط التجارة التي تربط اليمن بالحجاز والشام، وهي شرايين اقتصادية بالغة الأهمية في الاقتصاد القديم للجزيرة العربية.
أما عن قوله : أبرهة كان مسيحيًا والإسلام لم يظهر بعد، فلماذا يهدم كعبة قريش؟ فنحيله لمعرفة الإجابة عن ذلك السؤال لكتب التراث الغنية بالإجابة مثل ابن اسحاق وابن كثير وابن هشام والبيهقي الخ وقد اختلف العلماء حول السبب المباشر الذي حرَّك الجيوش، وهل هو تلويث أحد القرشيين لكنيسة القلَّيس، أو إحراق بعض القرشيين لكنيسة بالحبشة، وفي النهاية قرَّر أمير اليمن أبرهة الأشرم بتوجيه من النجاشي ملك الحبشة هدمَ الكعبة باستخدام جيش كبير على مقدمته فيل.
أما عن الفيل الذي لا يمشي أبدا من اليمن لمكه، فقد سبق أن سارت الفيلة المحاربه في جيش الفرس من برسبوليس الى القسطنطينية في حروب الفرس والبيزنطيين، فالفيلة المحاربه تكون مدربه، وليست كالفيلة الموجودة في حديقة الحيوان! كما أن النظريات التاريخية لا تفسر بمنطق هل يعقل كذا كذا؟.
وتذكر دائرة المعارف الأثيوبية -باختصار- أن أبرهة بدأ حملته على مكة في عام 547م وأنه تم شحن الفيل من أثيوبيا.. ثم تذكر أن القصة وردت في القرآن في سورة الفيل وأن هزيمة أبرهة على حدود مكة كانت جزئيا نتيجة لرعب أصاب الفيل وأنه تم تسمية العام بعام الفيل.. وأنه من المحتمل أنه تم التعبير عن ذلك في لوحة موجودة في كنيسة Dabra Salam at Atsbi شمال أثيوبيا. وقد وردت القصة في كتاب War Elephants (أفيال الحرب) المؤلفان: John M. Kistler, Richard Lair . وكتابAnimals in the Military: المؤلف: John Kistler .
واخيرا عن قول زيدان :” تسمية السور بأسماء مميزة هو فعل بشري قام به المسلمون؛ فسُمّيت ‘البقرة’ لقصة البقرة، و’المجادلة’ بسبب المجادلة” فالرد أن أسماء السور كانت معروفة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومشهورة، وقد وردت أحاديث كثيرة تدل على أن هذه التسمية كانت متداولة في ذلك العهد، والظاهر أن وضع هذه الأسماء كان بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وتعليمه وقد جزم السيوطي في الإتقان بأنها توقيفية قال: وقد ثبت جميع أسماء السور بالتوقيف من الأحاديث والآثار، ولو لا خشية الإطالة لبينت ذلك. انتهى كلامه.
سورة الفيل
سورة الفيل
السابق
الدكتورة رقية عبدالحميد تكشف خطة استغلال الإجازة الصيفية لطفل صعوبات التعلم
التالي
خطوات وطريقة عمل الجلاش باللحمة المفرومة

اترك تعليقاً