حكايات وخواطر

أقنعة من زجاج: ​عندما تُباع الكرامة في سوق التغافل

شيماء النحاس تكتب ​أقنعة من زجاج
بقلم: 
الكاتبة والإعلامية شيماء النحاس
في رحلة الحياة، نلتقي بأنماط مختلفة من البشر، لكن ثمة فئة تثير الحيرة والتأمل أكثر من غيرها: أولئك الذين يرتدون قناع “التغافل” للهروب من مواجهة إهانات صريحة، أو انتهاكات واضحة لكرامتهم وأخلاقهم وسمعتهم يتظاهرون بأنهم “لم يلاحظوا” وينحنون مع كل عاصفة مهما كانت مدمّرة لقيمهم، تحت مسميات براقة مثل “الذكاء الاجتماعي”، “التعايش”، أو “تعدية الأمور” لكن الشواهد تؤكد أن ما يفعلونه ليس حكمةً، بل هو تنازل متدرج عن الجوهر الإنساني.
​خيانة الدم والشاهد المتغافل:
​إن السقوط النفسي لا يتوقف عند حدود الذات؛ فهذا النمط من الشخصيات لا يكتفي بإهدار كرامته الشخصية، بل يمتد عمه السلوكي ليعصف بمن هم أقرب الناس إليه.
​إن أقسى أنواع الجبن ليس أن تخاف من العدو، بل أن ترى من هي من دمك يُستباح قدرها وكرامتها أمام عينيك، فتختار أن تلعب دور الشاهد المتغافل، فقط لأنك أضعف من أن تطفئ النار.
​هنا يبلغ الجبن مداه؛ حين يتحول القريب إلى متفرج حذر، يزن الأمور بميزان الربح والخسارة الشخصية، فيغض الطرف عن الظلم الواقع على أهله وداميه كي لا يحترق بطرف من لهب الحق.
يتغافل ليس جهلاً بما يحدث، بل هروبًا من كلفة الموقف الشجاع. وهذا التغافل الصامت على إهانة الأقربين ليس مجرد ضعف، بل هو تواطؤ غير مباشر، وخنجر يُغرس في ظهر الرحم تحت ذريعة “السلامة والابتعاد عن المشاكل”.
​التفسير السيكولوجي: ماذا يقول علماء النفس؟
​لفهم هذا السقوط الأخلاقي والسلوكي، يُفسر علماء النفس والتحليل السلوكي هذا النمط من التغافل المصنوع عبر عدة مفاهيم نفسية عميقة:
​آلية الدفاع بالنكران (Denial Mechanism): يرى علماء النفس أن العقل البشري حين يواجه حقيقة مؤلمة لا يملك الشجاعة الكافية لمواجهتها، يهرب إلى حيلة النكران والتظاهر بعدم الإدراك، لتجنب الشعور بالعجز أو خطر الرفض الاجتماعي.
​تأثير الشاهد المحايد (Bystander Effect): يمتد التفسير النفسي ليرصد ظاهرة التخلي النفسي، حيث يُقنع الشخص نفسه بأن التدخل للمواجهة سيكلفه الكثير، فيمارس الانفصال العاطفي والهروب من المسئولية الأخلاقية تجاه نفسه وتجاه غيره.
​التكيف مع الإهانة (Learned Helplessness): يوضح خبراء الصحة النفسية أن الاعتياد على التنازل يُنتج حالة من “العجز المتعلم”، حيث يفقد الفرد تدريجيًا إيمانه بقدرته على التغيير، فيفضل لعب دور الضحية الصامتة على أن يخوض معركة الدفاع عن حقّه أو عرضه.
​الحكمة المزيفة والسقوط الحقيقي:
​التغافل في أصله خلقٌ كريم يُستخدم لتمرير الزلات الصغيرة والهنوات العابرة للحفاظ على الود. أما أن يتحول “التغافل” إلى مظلة لتمرير الطعن في الأخلاق، أو المساس بالسمعة، أو إهانة الكرامة، فهنا يتوقف الخلق ويأتي الهوان.
الشخصية التي تقبل كل شيء وتدّعي عدم الفهم، تفعل ذلك غالبًا لدوافع قهرية: الخوف من فقدان مكتسبات مادية، أو خشية المواجهة، أو رغبة ضيقة في حماية مصالحها المؤقتة على حساب المبادئ.
​التكلفة الباهظة للغفلة المصنوعة:
​إن الخطر الأكبر في هذا السلوك ينعكس في عدة نقاط:
​انعدام الاحترام الذاتي والجمعي: من يفرط في كرامته أو كرامة من هم من دمه ليحمي راحة باله المزيفة، يفقد احترام الناس؛ فالناس لا تحترم من لا يعز نفسه ولا يحمي أهل بيته.
​تغذية المتنمرين والمؤذيين: المعتدي عندما يرى الشخص يبتلع الإهانة – أو يسكت عن إهانة أقربائه – لا يتوقف، بل يستمر في تجاوز الحدود ويتمادى في القسوة.
​تآكل السمعة والضمير: السمعة ليست مجرد كلام يُقال، بل هي انطباع يُبنى على ما تقبله وما ترفضه. والتغاضي عن الاتهامات والإهانات يورث ندوبًا نفسية وضميرًا محتضرًا لا تداويه أعذار التغافل.
​شجاعة الموقف هي الحل:
​الكرامة ليست رفاهية يمكن الاستغناء عنها لإبقاء المراكب سائرة، والأخلاق والدم ليسا أوراق لعب يُضحى بهما من أجل صفقات أو علاقات مريحة. الحياة تصبح بلا قيمة حقيقية عندما يفقد الإنسان خطوطه الحمراء، وعندما يعجز عن خوض معركة مستحقة لحماية عرضه وكرامته وداميه.
​إن قول “لا” ووضع الحدود الصارمة لكل من يتعدى على أخلاقك أو كرامتك أو من يعنون لك، قد يكلفك بعض العلاقات أو الفرص، لكنه يحفظ لك الشيء الوحيد الذي لا يمكن استرجاعه إذا ضاع: احترامك لنفسك وشهامتك أمام ضميرك، التغافل الحقيقي يكون عن الصغائر، أما عندما تُمس الكرامة والدم، فإن التغافل يتحول إلى صمت لا يُغتفر وسقوط لا ترفعه الأعذار.
السابق
هل كل اضطراب نفسي يحتاج إلى علاج دوائي؟

اترك تعليقاً