أكد خالد رغدان إختصاصي نفسي أن المشاعر الإنسانية تمثل مزيجا معقدا من الاستجابات البيولوجية والنفسية التي تهدف في أصلها التطوري إلى حماية الكائن البشري من الأخطار، مشيرا إلى أن “القلق” يأتي في مقدمة هذه الاستجابات الحيوية وأن الإنسان المعاصر بات يعيش في بيئة رقمية واجتماعية ضاغطة حوّلت هذا المنبه الطبيعي إلى أزمة مستمرة ومزمنة لدى الكثيرين.
وتناول خالد رغدان في أطروحته الإجابة عن التساؤل الشائع في الأوساط العيادية والرقمية: “كيف أعرف أني أعاني من القلق؟”، محددا الخط الفاصل الذي يتحول عنده القلق من رد فعل طبيعي ومؤقت إلى اضطراب نفسي يستدعي التدخل والتأهيل السلوكي.
الآلية البيولوجية والفرق بين القلق الطبيعي والمرضي
وفي سياق تشريحه للاضطراب، شدد خالد رغدان إختصاصي نفسي على ضرورة التفريق بين القلق الطبيعي (Normal Anxiety) والقلق المرضي أو الاضطرابي (Pathological Anxiety) وبيّن أن القلق الطبيعي استجابة مؤقتة ومحددة بمثير معين، مثل القلق الذي يسبق الامتحانات أو مقابلات العمل ويمثل دافعا إيجابيا يحفز العقل وينتهي بانتهاء الموقف، أما عندما يتحول القلق إلى اضطراب، فإنه يصبح حالة مستمرة، عامة وغير متناسبة مع الحجم الفعلي للمشكلات اليومية.
ومن الناحية البيولوجية العصبية، أشار إلى أن هذا التحول يحدث نتيجة استثارة مفرطة ومستمرة في “اللوزة الدماغية” (Amygdala) وهي الجزء المسؤول عن معالجة الخوف وإرسال إشارات الخطر في الدماغ وفي حالة الاضطراب، يظل الجسد في حالة استنفار دائم ناتجة عن إفراز مفرط لهرمونات التوتر مثل “الكورتيزول” و”الأدرينالين” وهو ما ينعكس مباشرة على وظائف الجسد والعقل بشكل سلبي.
الأبعاد الأربعة للعلامات والأعراض الإكلينيكية
وللإجابة بشكل تطبيقي وعلمي على سؤال المراجعين، صنف خالد رغدان إختصاصي نفسي أعراض القلق إلى أبعاد أساسية تتداخل لتشكل الحالة الاضطرابية:
1. البعد المعرفي والذهني: حيث يقع العقل تحت تأثير إنتاج مستمر للسيناريوهات السلبية ويتميز بـ “التفكير الكارثي” (Catastrophizing) عبر توقع الأسوأ دائما وتضخيم احتمالية حدوث الكوارث المستقبلية، بالإضافة إلى “الاجترار الفكري” (Rumination) بإعادة تدوير الأفكار المقلقة دون الوصول لحلول، مما يؤدي إلى صعوبة التركيز وتشتت الانتباه نتيجة انشغال الدماغ بمراقبة التهديدات المتخيلة.
2. البعد الجسدي والفسيولوجي: أوضح أن الجسد يترجم الضغط النفسي عبر أعراض ملموسة، تظهر في التوتر العضلي المستمر وتصلب الرقبة والظهر واضطرابات الجهاز الهضمي كمتلازمة القولون العصبي والغثيان الناتجة عن الارتباط الوثيق بين الدماغ والأمعاء، فضلا عن تسارع ضربات القلب وضيق التنفس اللذين يبلغان ذروتهما في “نوبات الهلع”، واضطرابات النوم المتمثلة في صعوبة الاستغراق فيه أو الاستيقاظ المتكرر مجهدا.
3. البعد السلوكي: ينعكس القلق على تصرفات الفرد اليومية عبر نمطين؛ “السلوك التجنبي” (Avoidance) بالابتعاد عن الأماكن أو المواقف التي تثير التوتر مما يقيد المساحة الحياتية للشخص ونمط “البحث المستمر عن الطمأنينة” بسؤال المحيطين بشكل مفرط أو الإفراط في البحث عبر الإنترنت عن الأعراض الطبية للتأكد من السلامة.
المقاربة العلاجية وسبل كسر الحلقة المفرغة
وأكد خالد رغدان إختصاصي نفسي أن الإشكالية الكبرى في اضطراب القلق تكمن في كونه يغذي نفسه؛ حيث تؤدي الفكرة المقلقة إلى استثارة الجسد وتفسير تلك الأعراض الجسدية كدليل على خطر حقيقي يعيد إنتاج أفكار أكثر رعبا، لافتا إلى أن الرأي العلمي المستقر يرى أن محاولة مقاومة القلق بالقوة أو قمع الأفكار تؤدي إلى نتائج عكسية وتزيد وطأة الاضطراب، واضعا ثلاثة مسارات علاجية مدروسة ومثبتة بالدليل:
- العلاج المعرفي السلوكي (CBT): ووصفه بالمعيار الذهبي للعلاج ويرتكز على إعادة هيكلة الأفكار الكارثية وتفنيد التشوهات المعرفية، مع تطبيق تقنيات “التعرض التدريجي” للمواقف المتجنبة ليتعود الجهاز العصبي على غياب الخطر الحقيقي.
- تقنيات التنظيم الذاتي والاسترخاء: مثل التنفس الحجابي البطني الموجه والاسترخاء العضلي التدريجي والتي ترسل إشارات أمان مباشرة إلى الدماغ عبر العصب الحائر لتثبيط هرمونات التوتر فورا.
- التدخل الدوائي المدروس: ويعتمد عليه في الحالات الشديدة التي تعطل حياة الفرد اليومية، حيث يبرز التكامل مع العلاج الدوائي لفترة محددة لإعادة التوازن الكيميائي للنواقل العصبية وتقليل الاستثارة الدماغية.
تفكيك الوصمة الاجتماعية حول الاضطراب
وأوضح خالد رغدان إختصاصي نفسي أن نشر الوعي العلمي وتفكيك “الوصمة الاجتماعية” يمثل نصف رحلة التعافي، مشددا على ضرورة إدراك المجتمع أن القلق ليس ضعفا في الشخصية أو قلة في العزيمة، بل هو حالة طبية نفسية ناتجة عن تضافر عوامل جينية، بيولوجية وبيئية، تماما كأي مرض عضوي مزمن يتطلب الرعاية والاحتوء.
وأكد أن امتلاك الشجاعة لمراقبة الذات ورصد مدى تأثير الأعراض على جودة الحياة والإنتاجية وفهم الاضطراب من منظور علمي بحت بعيدا عن الأحكام الأخلاقية، هو الخطوة المفصلية والأساسية لتمكين الأفراد من التحرر من أسر المخاوف واستعادة توازهم السلوكي والمعرفي للوصول إلى السلام الداخلي المستدام.
