حكايات وخواطر

شيماء النحاس تكتب: ​أقنعة المحبة

أقنعة المحبة بقلم الكاتبة شيماء النحاس
​في رحلة الحياة، لا نتعثر دائما بالحجارة، بل نتحطم أحيانا بسبب كلمة، أو نبرة، أو إحباط ممنهج يأتيك ممن تفترض أنهم يتمنون لك الخير، الأشخاص السامون ليسوا دائمًا أعداءً واضحين يعلنون خصومتهم بوضوح؛ بل أحيانا يُمارسون سميتهم في أروقة حياتك اليومية تحت مسميات براقة مثل “المحبة”، “الخوف عليك”، أو “المصارحة الواقعية”!
​تبدأ الحكاية غالبًا بلحظة شغف بسيطة؛ تبدأ في السعي نحو هدف جديد، أو تتحدث عن حلم بابتسامة واسعة، لتفاجأ بثقب صغير يُحدثه أحدهم في روحك. ليس بهجوم صريح، بل بكلمات مغلفة بالشفقة أو التقليل: “هل تتوقع أن الأمر بهذه البساطة؟”، “أخشى أن تنصدم بالواقع”، أو “أنا أقول لك هذا لمصلحتك حتى لا تتعذب”. في تلك اللحظة بالذات، تتغير كيمياء الغرفة، ويتسلل البرد إلى فكرتك الشغوفة.
تكتيك الشك الداخلي: زرع الألغام في العقل
​تكمن الخطورة الكبرى للشخصية السامة في قدرتها الاحترافية على زراعة “الشك الداخلي” في عقل الضحية. هم لا يملكون القدرة على خلق واقع جديد أو خوض مخاطرة حقيقية، فيحاولون تقزيم واقعك ومساحتك لتناسب حدودهم الضيقة. يتعامل الشخص السام مع نجاحات وتطلعات غيره كأنها مرآة كاشفة تعكس عجزه وشلله؛ لذا تجده دائمًا بالمرصاد لكل محاولة طموح، يستخدم الإحباط كتكتيك دفاعي غير واعٍ لحماية أهوائه ومخاوفه الذاتية من الكشف.
​طريقتهم لا تتوقف عند حدود الإحباط المباشر، بل تتجاوز ذلك إلى ما يمكن تسميته بـ “الإنهاك النفسي التراكمي”. تجدهم يتغذون على سحب طاقتك، يركزون على السلبيات والعقبات، يقللون من قيمة إنجازاتك الصغيرة، ويتجاهلون أي مشاعر إيجابية تعبر عنها. تجلس معهم وأنت مليء بالطاقة والاندفاع، وتخرج من عندهم وكأنك تحمل أوزانًا ثقيلة فوق صدرك، تتساءل في سرك: هل أنا فعلاً أبالغ؟ أم أنني عاجز كما لمحوا؟ هل طموحي وهم؟
​تفكيك السيكولوجية: لماذا يفعلون ذلك؟
​إذا غصنا في السيكولوجية النفسية لمُحبطي العزائم، سنجد أن سلوكهم ليس دليل قوة أو حكمة كما يدعون، بل هو غلاف خارجي لقلة الأمان الداخلي. الخوف من أن تبتعد عنهم، أو الخوف من أن تتجاوزهم، أو عدم قدرتهم على رؤية شجاعة لا يملكونها، كلها دوافع تجعلهم يحاولون سحبك إلى القاع الهادئ الذي يعيشون فيه. إن الساخر من حلمك لا يرى ضآلة حلمك، بل يرى ضآلة شجاعته في محاوطة حلم مماثل.
​هذا النمط من التعامل يُنتج مع الوقت ما يشبه “التسمم الوجداني”، حيث يبدأ الشخص بتبني أفكار جلاديه، وينظر لنفسه بعيونهم القاسية، فيتوقف عن المحاولة قبل أن يبدأ، ويقتل أفكاره في مهدها دون أن يدري أنه يُنفذ حكمًا صدر بحقه من طرف غير محايد.
​فن المسافة وحماية العالم الداخلي
​إن الحقيقة الوحيدة التي ينبغي أن ندركها بوضوح وبلا تردد، هي أن إحباط هؤلاء ليس حقيقة عنك أو عن قدراتك، بل هو انعكاس كامل لخوفهم وعجزهم ورؤيتهم المحدودة للعالم.
​التعامل مع السموم النفسية في العلاقات لا يتطلب بالضرورة خوض معارك صريحة أو مواجهات حادة، بل يتطلب ما يُعرف بـ “مسافة الأمان الوجدانية”. حماية عالمك الداخلي تبدأ من تعلم الفن الأصعب: “الصمت أمام من لا يستحقون مشاركتك شغفك”، ووضع الحدود النفسية القوية دون الشعور بالذنب.
​ليس كل من يدخل حياتك يستحق أن يرى أحلامك وهي تتشكل، ولا كل الأذان صالحة للاستماع لأهدافك. فبعض الأرواح والأفكار لا تنمو ولا تزدهر إلا في المساحات الهادئة المحمية، بعيدًا عن ألسنة لا تجيد سوى الإطفاء والتقليل. حافظ على نورك، واجعل شغفك ملكًا لك وحدك حتى يكتمل ويفرض نفسه على الواقع.
​في النهاية ​تذكَّر دائما أن حياتك أكبر من أن تُختزل في رؤية شخصٍ عاجز عن الطيران، وشغفك أثمن من أن تتركه تحت رحمة كَلِماتٍ تُقال في لحظة حسد أو خوف. لا تمنح أحدهم حق تحديد مساحتك أو سقف أحلامك، ولا تعتذر أبدًا عن طموحك أو رغبتك في النمو. ابْنِ حمايتك النفسية بالوعي والمسافة، وحاوِط نفسك بمن يُضيئون طريقك لا من يطفئون شعلتك.. واصل المسير، ودع إنجازاتك الحقيقية هي من تتكفل بالرد!
بقلم: الكاتبة والإعلامية شيماء النحاس
السابق
د. محمود رفعت رشوان يوضح تأثير الكافيين والوجبات الدسمة على جودة النوم

اترك تعليقاً